فكلّ مورد يصدق عرفا أنّ هذا كان كذا سابقا جرى فيه الاستصحاب وإن كان المشار إليه لا يعلم بالتدقيق أو بملاحظة الأدلّة كونه موضوعا ، بل علم عدمه. مثلا : قد ثبت بالأدلّة أنّ الإنسان طاهر والكلب نجس ، فإذا ماتا واطّلع أهل العرف على حكم الشارع عليهما بعد الموت ، فيحكمون بارتفاع طهارة الأوّل وبقاء نجاسة الثاني ، مع عدم صدق الارتفاع والبقاء فيهما بحسب التدقيق ؛ لأنّ الطهارة والنجاسة كانتا محمولتين على الحيوانين المذكورين (*) ، وقد ارتفعت الحيوانية بعد صيرورته جمادا. ونحوه حكم العرف (٢٥٨٤) باستصحاب بقاء الزوجيّة بعد موت
______________________________________________________
آخر له. ولا إشكال في عدم جريان الاستصحاب في هذا القسم ، كما لا إشكال في جريانه في القسم الأوّل. وإنّما الإشكال في القسم الثاني ، وجريان الاستصحاب فيه مبنيّ على اعتبار المسامحة العرفيّة في موارد ثبوتها ، وقد عرفت تحقيق الحال فيها.
وممّا ذكرناه يظهر أنّه كما يعتبر في جريانه بقاء الموضوع والمحمول في القضيّة المتيقّنة السابقة ، كذلك يعتبر فيه اتّحاد النسبة في القضيّتين ، لأنّه لازم لبقاء الموضوع والمحمول السابقين.
وهل يكفي بقاء النسبة الثابتة في ظاهر الأدلّة ، أو لا بدّ من بقاء النسبة الواقعيّة؟ فإذا ورد في كلام الشارع : كلّ جسم لاقى نجسا رطبا ينجس ، وعلمنا بأنّ السبب ليس الملاقاة مطلقا ، بل هي مع تأثّر الملاقي ، فإذا ثبتت الملاقاة للنجس مع الشكّ في بقاء رطوبة النجس حين الملاقاة ، فالقضيّة السابقة هي كون النجس رطبا ، فإن اكتفينا ببقاء هذه النسبة يحكم بنجاسة الملاقي باستصحاب بقاء الرطوبة ، وإن اعتبرنا بقاء النسبة الواقعيّة فلا ، لعدم إثبات أصالة بقاء الرطوبة تأثّر الملاقي إلّا على القول بالاصول المثبتة. والأقوى اعتبار بقاء النسبة الواقعيّة ، لأنّ الفرض أنّها السبب في الحقيقة لا النسبة الظاهريّة.
٢٥٨٤. يعني : بعد اطّلاعهم بالأدلّة الشرعيّة على نجاسة الميتة من الإنسان و
__________________
(*) في بعض النسخ زيادة : فلا معني لصدق ارتفاع الأوّل وبقاء الثاني.
![فرائد الأصول [ ج ٥ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4230_faraed-alusul-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
