سببا والإقراء مانعا. والحاصل : أنّ هناك أمرين متباينين ، كلّ منهما فرد للحكم ، فلا يغني استتباع أحدهما للآخر عن مراعاته واحتسابه في عداد الأحكام. انتهى كلامه ، رفع مقامه.
أقول : لو فرض نفسه (٢٢٤٩) حاكما بحكم تكليفي ووضعيّ بالنسبة إلى عبده ، لوجد من نفسه صدق ما ذكرنا ؛ فإنّه إذا قال لعبده : " أكرم زيدا إن جاءك" ، فهل يجد المولى من نفسه أنّه أنشأ إنشاءين وجعل أمرين : أحدهما : وجوب إكرام زيد عند مجيئه ، والآخر : كون مجيئه سببا لوجوب إكرامه؟ أو أنّ الثاني مفهوم منتزع من الأوّل لا يحتاج إلى جعل مغاير لجعله ولا إلى بيان مخالف لبيانه ؛ ولهذا اشتهر في ألسنة الفقهاء" سببية الدلوك" و" مانعية الحيض" ، ولم يرد من الشارع إلّا إنشاء طلب الصلاة عند الأوّل وطلب تركها عند الثاني؟ فإن أراد تباينهما مفهوما فهو أظهر من أن يخفى ، كيف! وهما محمولان مختلفا الموضوع.
______________________________________________________
٢٢٤٩. لا يذهب عليك أنّ ما ذكره المصنّف رحمهالله إلى هنا متعلّق بتصوير القول بكون أحكام الوضع اعتباريّة منتزعة من الأحكام الطلبيّة ، مع الإشارة إلى جملة من أدلّة مدّعي الجعل وتضعيفها ، وما ذكره بعده توضيح لدليل القول المختار.
وأقول في توضيح جميع ما ذكره : إنّهم قد احتجّوا للقول بالجعل بوجوه :
أحدها : ما نقله المصنّف رحمهالله عن بعض الغافلين من تخلّف الوضعيّ عن التكليفي في بعض الموارد ، إذ لو كان الوضعيّ منتزعا منه لم يمكن التخلّف عنه. وجوابه واضح ممّا ذكره المصنّف رحمهالله ، وسنشير إلى زيادة توضيح له.
وثانيها : ما نقله المصنّف رحمهالله أيضا عن المحقّق الكاظمي رحمهالله بقوله : «والعجب ممّن ادّعى ...» من دعوى البديهة والوجدان. والجواب عنه أيضا واضح ممّا ذكره.
وثالثا : أنّ كثيرا من الخطابات ظاهر في الوضع خاصّة ، فلا دليل على صرفه عن ظاهره ، مثل قوله عليهالسلام : «لا صلاة إلّا بطهور» و «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» و «الماء كلّه طاهر» وهكذا. وفيه ـ مع تسليم ظهور هذه الأخبار في إنشاء الشرطيّة
![فرائد الأصول [ ج ٥ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4230_faraed-alusul-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
