فيها ـ وهي الخطأ والنسيان وما لا يطاق وما اضطرّوا إليه ـ هي بعينها ما استوهبها النبيّ صلىاللهعليهوآله من ربّه جلّ ذكره ليلة المعراج على ما حكاه الله تعالى عنه صلىاللهعليهوآله في القرآن بقوله تعالى : (رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا ، رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا ، رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ) (١٩).
والذي يحسم أصل الإشكال منع استقلال العقل بقبح المؤاخذة على هذه الامور بقبول مطلق ؛ فإن الخطأ والنسيان الصادرين من ترك التحفّظ لا يقبح المؤاخذة عليهما ، وكذا المؤاخذة على ما لا يعلمون مع إمكان الاحتياط ، وكذا (*) التكليف الشاقّ (١١٢٨) الناشئ عن اختيار المكلّف.
______________________________________________________
وأمّا الإكراه فكذلك أيضا ، ولذا لا يجوز قتل النفس ولو مع الإكراه عليه. وأمّا ما لا يعلمون فلفرض إمكان الاحتياط ، فلا تقبح المؤاخذة عليه كما صرّح به.
ولكنّك خبير بأنّ مجرّد إمكان الاحتياط لو كان رافعا لقبح العقاب عقلا ، فلا يتمّ الاستدلال على أصالة البراءة في شيء من مواردها ، لأنّ مدركها عقلا هو قبح التكليف والعقاب بلا بيان ولو مع إمكان الاحتياط ، كما هو واضح لا سترة عليه. وما قرّرناه في الحاشية السابقة من توضيح دفع الإشكال إنّما كان على ظاهر كلام المصنّف رحمهالله ، وإلّا فقد عرفت عدم تماميّته بالنسبة إلى ما لا يعلمون.
اللهمّ إلّا أن يريد بإمكان الاحتياط إمكان إيجابه ، بأن كانت الامم السالفة مؤاخذين بمخالفة الواقع فيما لا يعلمون من الأحكام والموضوعات لأجل وجوب الاحتياط عليهم شرعا ، وقد رفع هذا الوجوب عن هذه الامّة. ولا ريب أنّ العقل إنّما يستقلّ بقبح التكليف والمؤاخذة بلا بيان مع عدم دليل على وجوب الاحتياط ، وإلّا فهو بيان إجمالي عقلا وشرعا كما هو واضح.
١١٢٨. يرد عليه : أنّه إن أراد به التكليف بفعل عسير ، ففيه : أنّ التكليف بالعسير لا قبح فيه ، سواء كان ناشئا من سوء اختيار المكلّف أم لا ، ولذا وقع
__________________
(*) في بعض النسخ زيادة : في.
![فرائد الأصول [ ج ٣ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4228_faraed-alusul-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
