هذا حال أهل اللسان في الكلمات الواردة إليهم ، وأمّا العلماء فلا خلاف بينهم في الرجوع إلى أصالة الحقيقة في الألفاظ المجرّدة عن القرائن الموجّهة من متكلّم إلى مخاطب ، سواء كان ذلك في الأحكام الجزئيّة ، كالوصايا الصادرة عن الموصي المعيّن إلى شخص معيّن ، ثمّ مسّت الحاجة إلى العمل بها مع فقد الموصى إليه ؛ فإنّ العلماء لا يتأمّلون في الإفتاء بوجوب العمل بظاهر ذلك الكلام الموجّه إلى الموصى إليه المفقود. وكذا في الأقارير. أم كان في الأحكام الكلّية ، كالأخبار الصادرة عن الأئمّة عليهمالسلام مع كون المقصود منها تفهيم مخاطبيهم لا غير ؛ فإنّه لم يتأمّل أحد من العلماء في استفادة الأحكام من ظواهرها معتذرا بعدم الدليل على حجّية أصالة عدم القرينة بالنسبة إلى غير المخاطب ومن قصد إفهامه.
ودعوى : كون ذلك منهم للبناء على كون الأخبار الصادرة عنهم عليهمالسلام من قبيل تأليف المصنّفين ، واضحة الفساد. مع أنّها لو صحّت لجرت في الكتاب العزيز ؛ فإنّه أولى بأن يكون من هذا القبيل ، فترتفع ثمرة التفصيل المذكور ؛ لأنّ المفصّل معترف بأنّ ظاهر الكلام الذي هو من قبيل تأليف المؤلّفين حجّة بالخصوص ، لا لدخوله في مطلق الظنّ ، وإنّما كلامه في اعتبار ظهور الكلام الموجّه إلى مخاطب خاصّ بالنسبة إلى غيره.
والحاصل : أنّ القطع حاصل لكلّ متتبّع (٢٥٢)
______________________________________________________
٢٥٢. هذا توطئة لدفع ما يمكن أن يورد به على ما تمسّك به من إجماع العلماء على العمل بالظواهر من كون ذلك إجماعا عمليّا ، ووجه عملهم مجمل ، فلعلّهم عملوا بها من باب الظنون المطلقة ، لانسداد باب العلم بمرادات الشارع غالبا ، فلا يمكن إثبات حجّية الظواهر من باب الظنون الخاصّة بمثل هذا الإجماع. وحاصل الدفع هو دعوى القطع بكون عملهم بها من باب الظنون الخاصّة دون المطلقة ، لأنّ عملهم بها من حيث كونها ظواهر لا من حيث كونها من جملة أفراد الظنون المطلقة.
ويشهد به أوّلا : أنّا نرى بالعيان عملهم بالظواهر على كثرتها كتابا وسنّة
![فرائد الأصول [ ج ١ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4226_faraed-alusul-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
