من جميع ما ذكرنا : أنّ ما ذكره ابن قبة ـ من استحالة التعبّد بخبر الواحد أو بمطلق الأمارة الغير العلميّة ـ ممنوع على إطلاقه ، وإنّما يقبح (*) إذا ورد التعبّد على بعض الوجوه ، كما تقدّم تفصيل ذلك.
ثمّ إنّه ربّما ينسب إلى بعض (٦) : إيجاب التعبّد بخبر الواحد أو مطلق الأمارة على الله تعالى ، بمعنى قبح تركه منه ، في مقابل قول ابن قبة. فإن أراد به وجوب إمضاء حكم العقل بالعمل به عند عدم التمكّن من العلم ببقاء التكليف ، فحسن. وإن أراد وجوب الجعل بالخصوص في حال الانسداد ، فممنوع ؛ إذ جعل الطريق بعد انسداد باب العلم إنّما يجب عليه إذا لم يكن هناك طريق عقلي وهو الظنّ ، إلّا أن يكون لبعض الظنون في نظره خصوصيّة. وإن أراد حكم صورة الانفتاح : فإن أراد به وجوب التعبّد العيني فهو غلط ؛ لجواز تحصيل العلم معه قطعا. وإن أراد وجوب التعبّد به تخييرا ، فهو ممّا لا يدركه العقل ؛ إذ لا يعلم العقل بوجود مصلحة في الأمارة يتدارك بها مصلحة الواقع التي تفوت بالعمل بالأمارة ، اللهمّ إلّا أن يكون في تحصيل العلم حرج يلزم في العقل رفع إيجابه بنصب أمارة هي أقرب من غيرها إلى الواقع أو أصحّ في نظر الشارع من غيره في مقام البدليّة عن الواقع ، وإلّا فيكفي إمضائه للعمل بمطلق الظنّ كصورة الانسداد.
المقام الثاني :
ثمّ إذا تبيّن عدم استحالة تعبّد الشارع بغير العلم ، وعدم القبح فيه ولا في تركه ، فيقع الكلام في المقام الثاني في وقوع التعبّد به في الأحكام الشرعيّة مطلقا أو في الجملة.
وقبل الخوض في ذلك ، لا بدّ من تأسيس الأصل الذي يكون عليه المعوّل (١٨٣) عند عدم الدليل على وقوع التعبّد بغير العلم مطلقا أو في الجملة ،
______________________________________________________
١٨٣. لفظ المعوّل هنا مصدر ميميّ ، وإن كان اسم مفعول كان الأولى أن يقول : هو المعوّل عليه وليعلم أنّه لا أثر لتأسيس هذا الأصل في أمثال هذا الزمان
__________________
(*) في بعض النسخ : بدل «يقبح» ، يصحّ.
![فرائد الأصول [ ج ١ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4226_faraed-alusul-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
