أمّا إيجاب العمل بالخبر على الوجه الأوّل ، فهو وإن كان في نفسه قبيحا مع فرض انفتاح باب العلم ـ لما ذكره المستدلّ من تحريم الحلال وتحليل الحرام ـ لكن لا يمتنع أن يكون الخبر أغلب مطابقة للواقع في نظر الشارع من الأدلّة القطعيّة التي يستعملها المكلّف للوصول إلى الحرام والحلال الواقعيّين ، أو يكونا متساويين في نظره من حيث الإيصال إلى الواقع. إلّا أن يقال : إنّ هذا رجوع إلى فرض انسداد باب العلم والعجز عن الوصول إلى الواقع ؛ إذ ليس المراد انسداد باب الاعتقاد ولو كان جهلا مركّبا ، كما تقدّم سابقا. فالأولى : الاعتراف بالقبح مع فرض التمكّن عن الواقع. وأمّا وجوب العمل بالخبر على الوجه الثاني ، فلا قبح فيه أصلا ، كما لا يخفى.
قال في النهاية في هذا المقام تبعا للشيخ قدسسره في العدّة : إنّ الفعل الشرعي إنّما يجب لكونه مصلحة ، ولا يمتنع أن يكون مصلحة إذا فعلناه ونحن على صفة مخصوصة ، وكوننا ظانّين بصدق الراوي صفة من صفاتنا ، فدخلت في جملة أحوالنا التي يجوز كون الفعل عندها مصلحة (٣) ، انتهى موضع الحاجة.
فإن قلت : إنّ هذا إنّما يوجب التصويب (١٦٢) ؛ لأنّ المفروض على هذا أنّ
______________________________________________________
مؤدّاها إن كان هو الوجوب ، وكان الحكم الواقعي هي الحرمة ، فمع تساوي المصلحة والمفسدة وتزاحمهما لا يبقى مقتض لشيء من الوجوب والحرمة ، لأنّ مقتضى ذلك هي الإباحة دون الوجوب أو الحرمة. ومن هنا يظهر أنّه مع اختلاف مؤدّى الطريق والواقع في الوجوب والحرمة مثلا ، لا بدّ أن يكون رجحان مصلحة الطريق بحيث يكون مقدار الزائد منها على حدّ الإلزام ، فلا يكفي فيه أدنى الرجحان كما هي مقتضى إطلاق العبارة. اللهمّ إلّا أن يقال : إنّ إطلاقها وارد في مقام بيان اعتبار الرجحان في الجملة ، لا في مقام تحديده. وكيف كان ، فممّا ذكرناه يظهر ما في اعتبار تساوي المصلحتين في الوجه الثاني من وجهي اعتبار الظنّ كما سيشير إليه.
١٦٢. الأولى ترك كلمة الحصر. والتقريب في لزوم التصويب هنا أنّه مع مزاحمة مفسدة الواقع بمصلحة الطريق الراجحة عليها ، لا تكون مفسدة الواقع منشأ
![فرائد الأصول [ ج ١ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4226_faraed-alusul-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
