(وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ) (٢٢)
وموسوس إليه ، وهو الذي يلقى إليه الوسوسة ، ومعنى وسوس له فعل الوسوسة لأجله ووسوس إليه ألقاها إليه (لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما) ليكشف لهما ما ستر عنهما من عوراتهما ، وفيه دليل على أنّ كشف العورة من عظائم الأمور وأنّه لم يزل مستقبحا في الطباع والعقول. فإن قلت ما للواو المضمومة في ووري لم تقلب همزة كما في أويصل؟ ـ تصغير واصل ، وأصله وويصل ، فقلبت الواو همزة كراهة لاجتماع الواوين ـ قلت : لأن الثانية مدة كألف وارى فكما لم يجب همزها في واعد لم يجب في ووري ، وهذا لأن الواوين إذا تحركتا ظهر فيهما من الثقل ما لا يكون فيهما إذا كانت الثانية ساكنة وهذا مدرك بالضرورة ، فالتزموا إبدالها في موضع الثقل لا في غيره ، وقرأ عبد الله أورى بالقلب «وقال ما نهاكما ربّكما عن هذه الشّجرة إلّا أن تكونا مالكين» إلّا كراهة أن تكونا ملكين تعلمان الخير والشرّ وتستغنيان عن الغذاء ، وقرئ ملكين لقوله : (وَمُلْكٍ لا يَبْلى) (١) (أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ) من الذين لا يموتون ويبقون في الجنة ساكنين.
٢١ ـ (وَقاسَمَهُما) وأقسم لهما (إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ) وأخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة لأنه لما كان منه القسم ومنهما التصديق فكأنها من اثنين.
٢٢ ـ (فَدَلَّاهُما) فنزّلهما إلى الأكل من الشجرة (بِغُرُورٍ) بما غرّهما به من القسم بالله وإنما يخدع المؤمن بالله ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما : من خدعنا بالله انخدعنا له (فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ) وجدا طعمها آخذين في الأكل منها ، وهي السنبلة أو الكرم (بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما) ظهرت لهما عوراتهما لتهافت اللباس عنهما ، وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر ، وقيل كان لباسهما من جنس الأظفار ، أي كالظفر بياضا في غاية اللطف واللين فبقي عند الأظفار تذكيرا للنّعم وتجديدا للنّدم (وَطَفِقا) وجعلا ، يقال طفق يفعل كذا أي جعل (يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) يجعلان على عورتهما من ورق التين أو الموز ورقة فوق ورقة ليستترا بها كما تخصف
__________________
(١) طه / ٢٠ / ١٢٠.
![تفسير النسفي [ ج ٢ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4164_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
