(يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) (١٩)
لماء لأنه مبهم فبين بقوله صديد.
١٧ ـ (يَتَجَرَّعُهُ) يشربه جرعة جرعة (وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ) ولا يقارب أن يسيغه فكيف تكون الإساغة ، كقوله : (لَمْ يَكَدْ يَراها) (١) أي لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ) أي أسباب الموت من كلّ جهة ، أو من كلّ مكان من جسده ، وهذا تفظيع لما يصيبه من الآلام ، أي لو كان ثمة موت لكان كلّ واحد منها مهلكا (وَما هُوَ بِمَيِّتٍ) لأنه لو مات لاستراح (وَمِنْ وَرائِهِ) ومن بين يديه (عَذابٌ غَلِيظٌ) أي في كلّ وقت يستقبله يتلقى عذابا أشدّ مما قبله وأغلظ ، وعن الفضيل : هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد.
١٨ ـ (مَثَلُ الَّذِينَ) مبتدأ محذوف الخبر ، أي فيما يتلى عليكم مثل الذين (كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) والمثل مستعار للصفة التي فيها غرابة ، وقوله (أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ) جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول : كيف مثلهم؟ فقيل : أعمالهم كرماد (اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ) الرياح مدني (فِي يَوْمٍ عاصِفٍ) جعل العصف لليوم ، وهو لما فيه ، وهو الريح كقولك. يوم ماطر ، وأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسرى وعقر الإبل للأضياف وغير ذلك ، شبهها في حبوطها لبنائها على غير أساس وهو الإيمان بالله تعالى برماد طيّرته الريح العاصف (لا يَقْدِرُونَ) يوم القيامة (مِمَّا كَسَبُوا) من أعمالهم (عَلى شَيْءٍ) أي لا يرون له أثرا من ثواب كما لا يقدر من المراد المطيّر في الريح على شيء (ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ) إشارة إلى بعد ضلالهم عن طريق الحقّ ، أو عن الثواب.
١٩ ـ (أَلَمْ تَرَ) ألم تعلم الخطاب لكلّ أحد (أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) خالق مضافا حمزة وعليّ (بِالْحَقِ) بالحكمة والأمر العظيم ولم يخلقها عبثا (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) أي هو قادر على أن يعدم الناس ويخلق
__________________
(١) النور ، ٢٤ / ٤٠.
![تفسير النسفي [ ج ٢ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4164_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
