قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) (١٢)
(وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) (١) وقال في خطاب المؤمنين : (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ) إلى أن قال (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (٢) وغير ذلك مما يعرف بالاستقراء ، وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين ولئلا يسوّى بين الفريقين في الميعاد (وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) إلى وقت قد سماه وبيّن مقداره (قالُوا) أي القوم (إِنْ أَنْتُمْ) ما أنتم (إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا) لا فضل بيننا وبينكم ولا فضل لكم علينا فلم تخصّون بالنبوة دوننا؟ (تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا) يعني الأصنام (فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ) بحجّة بينة ، وقد جاءتهم رسلهم بالبينات ، وإنما أرادوا بالسلطان المبين آية قد اقترحوها تعنتا ولجاجا.
١١ ـ (قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) تسليم لقولهم إنهم بشر مثلهم (وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) بالإيمان والنبوّة كما منّ علينا (وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) جواب لقولهم فأتونا بسلطان مبين ، والمعنى أنّ الإتيان بالآية التي قد اقترحتموها ليس إلينا ولا في استطاعتنا ، وإنما هو أمر يتعلق بمشيئة الله تعالى (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أمر منهم للمؤمنين كافة بالتوكّل ، وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا ، كأنهم قالوا ومن حقّنا أن نتوكّل على الله في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم وإيذائكم ، ألا ترى إلى قوله :
١٢ ـ (وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ) معناه وأيّ عذر لنا في أن لا نتوكّل عليه (وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا) وقد فعل بنا ما يوجب توكّلنا عليه ، وهو التوفيق لهداية كلّ منا سبيله الذي يجب عليه سلوكه في الدين ، قال أبو تراب (٣) : التوكّل طرح البدن في العبودية ، وتعلّق القلب بالربوبية ، والشكر عند العطاء ، والصبر عند البلاء (وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا) جواب قسم مضمر ، أي حلفوا على الصبر على أذاهم وأن لا يمسكوا عن دعائهم (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) أي فليثبت المتوكلون على
__________________
(١) الأحقاف ، ٤٦ / ٣١.
(٢) الصف ، ٦١ / ١٠ ـ ١٢.
(٣) أبو تراب هو الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، مرت ترجمته في ٣ / ١٤٩. تفسير النسفي ج ٢ / م ٢٤
![تفسير النسفي [ ج ٢ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4164_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
