وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) (٥)
(عَنْ سَبِيلِ اللهِ) عن دينه (وَيَبْغُونَها عِوَجاً) يطلبون لسبيل الله زيغا واعوجاجا ، والأصل ويبغون لها فحذف الجارّ وأوصل الفعل. الذين مبتدأ خبره (أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) عن الحقّ ، ووصف الضلال بالبعد من الإسناد المجازي والبعد في الحقيقة للضالّ (١) ، لأنه هو الذي يتباعد عن طريق الحقّ فوصف به فعله ، كما تقول جدّ جدّه ، أو مجرور صفة للكافرين ، أو منصوب على الذم ، أو مرفوع على أعني الذين ، أو هم الذين.
٤ ـ (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ) إلّا متكلما بلغتهم (لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) ما هو مبعوث به وله ، فلا يكون لهم حجة على الله ولا يقولون له : لم نفهم ما خوطبنا به ، فإن قلت إنّ رسولنا صلىاللهعليهوسلم بعث إلى الناس جميعا بقوله : (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) (٢) بل إلى الثقلين ، وهم على ألسنة مختلفة ، فإن لم تكن للعرب حجة فلغيرهم الحجة ، قلت : لا يخلو إما أن ينزل بجميع الألسنة ، أو بواحد منها فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة ، لأنّ الترجمة تنوب عن ذلك وتكفي التطويل ، فتعين أن ينزل بلسان واحد ، وكان لسان قومه أولى بالتعيين لأنهم أقرب إليه ، ولأنه أبعد من التحريف والتبديل (فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ) من آثر سبب الضلال (٣) (وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) من آثر سبب الاهتداء (وَهُوَ الْعَزِيزُ) فلا يغالب على مشيئته (الْحَكِيمُ) فلا يخذل إلّا أهل الخذلان.
٥ ـ (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا) التسع (أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ) بأن أخرج ، أو أي أخرج ، لأنّ الإرسال فيه معنى القول ؛ كأنه قيل أرسلناه وقلنا له أخرج قومك (مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ) وأنذرهم بوقائعه التي وقعت على الأمم قبلهم ، قوم نوح وعاد وثمود ، ومنه أيام العرب لحروبها
__________________
(١) في (ظ) للضلال.
(٢) الأعراف ، ٧ / ١٥٨.
(٣) في (ظ) الضلالة.
![تفسير النسفي [ ج ٢ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4164_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
