(عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩) سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ) (١١)
المواضع الثلاثة موصولة ، أي يعلم ما تحمله من الولد على أي حال هو من ذكورة وأنوثة ، وتمام وخداج (١) ، وحسن وقبح ، وطول وقصر ، وغير ذلك ، وما تغيضه الأرحام أي ويعلم ما تنقصه ، يقال غاض الماء وغضته أنا ، وما تزداده ، والمراد عدد الولد فإنها تشتمل على واحد واثنين وثلاثة وأربعة ، أو جسد الولد فإنه يكون تاما ومخدجا ، أو مدة الولادة فإنها تكون أقلّ من تسعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عندنا ، وإلى أربع عند الشافعي ، وإلى خمس عند مالك ، أو مصدرية أي يعلم حمل كلّ أنثى ويعلم غيض الأرحام وازديادها (وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ) بقدر وحدّ لا يجاوزه ولا ينقص عنه لقوله (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) (٢).
٩ ـ (عالِمُ الْغَيْبِ) ما غاب عن الخلق (وَالشَّهادَةِ) ما شاهدوه (الْكَبِيرُ) العظيم الشأن الذي كلّ شيء دونه (الْمُتَعالِ) المستعلي على كلّ شيء بقدرته ، أو الذي كبر عن صفات المخلوقين وتعالى عنها ، وبالياء في الحالين مكي.
١٠ ـ (سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ) أي في علمه (وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ) متوار (وَسارِبٌ بِالنَّهارِ) ذاهب في سربه ، أي في طريقه ووجهه ، يقال سرب في الأرض سروبا. وسارب عطف على من هو مستخف لا على مستخف ، أو على مستخف غير أنّ من في معنى الاثنين.
١١ ـ والضمير في (لَهُ) مردود على من ، كأنه قيل لمن أسرّ ومن جهر ومن استخفى ومن سرب (مُعَقِّباتٌ) جماعات من الملائكة تعتقب في حفظه ، والأصل معتقبات فأدغمت التاء في القاف ، أو هو مفعلات من عقّبه إذا جاء على عقبه ، لأنّ بعضهم يعقّب بعضا ، أو لأنهم يعقّبون ما يتكلّم به فيكتبونه (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) أي قدّامه وورائه (يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ) هما صفتان جميعا ، وليس من أمر الله بصلة للحفظ ، كأنه قيل : له معقبات من أمر الله ، أو يحفظونه من أجل أمر الله ،
__________________
(١) خداج : المولود قبل تمام أيامه.
(٢) القمر ، ٥٤ / ٤٩.
![تفسير النسفي [ ج ٢ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4164_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
