(قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) (٨٦)
البكاء الذي حدث منه البياض ، فكأنه حدث من الحزن ، قيل ما جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاما وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب ، ويجوز للنبي عليهالسلام أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ ، لأنّ الإنسان مجبول على أن لا يملك نفسه عند الحزن ، فلذلك حمد صبره ، ولقد بكى رسول الله صلىاللهعليهوسلم على ولده إبراهيم ، وقال : (القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الربّ وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون) (١) وإنما المذموم الصياح والنياحة ولطم الصدور والوجوه وتمزيق الثياب (فَهُوَ كَظِيمٌ) مملوء من الغيظ على أولاده ولا يظهر ما يسوؤهم ، فعيل بمعنى مفعول بدليل قوله : (إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ) (٢) من كظم السّقاء إذا شدّه على ملئه.
٨٥ ـ (قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا) أي لا تفتأ فحذف حرف النفي لأنه لا يلتبس إذ لو كان إثباتا لم يكن بدّ من اللام والنون ، ومعنى لا تفتأ لا تزال (تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً) مشفيا على الهلاك مرضا (أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ).
٨٦ ـ (قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ) البثّ أصعب الهمّ الذي لا يصبر عليه صاحبه فيبثّه إلى الناس أي ينشره ، أي لا أشكو إلى أحد منكم ومن غيركم إنما أشكو إلى ربي داعيا له وملتجئا إليه ، فخلوني وشكايتي ، وروي أنه أوحي إلى يعقوب إنما وجدت عليكم لأنكم ذبحتم شاة فقام (٣) ببابكم مسكين فلم تطعموه وإنّ أحبّ خلقي إليّ الأنبياء ثمّ المساكين فاصنع طعاما وادع إليه (٤) المساكين ، وقيل اشترى جارية مع ولدها فباع ولدها فبكت حتى عميت (وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) وأعلم من رحمته أنه يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب ، وروي أنه رأى ملك الموت في منامه فسأله هل قبضت روح يوسف فقال : لا والله هو حيّ فاطلبه وعلمه هذا الدعاء : يا ذا المعروف الدائم الذي لا ينقطع (٥) أبدا ولا يحصيه غيره (٦) فرّج عني.
__________________
(١) متفق عليه من حديث أنس.
(٢) القلم ، ٦٨ / ٤٨.
(٣) في (ز) فوقف.
(٤) في (ظ) و (ز) عليه.
(٥) في (ز) زاد معروفه.
(٦) في (ظ) و (ز) غيرك.
![تفسير النسفي [ ج ٢ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4164_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
