(وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ) (٤٢)
آبائهم ، ومعنى التوقّع في ولمّا يأتهم تأويله أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبّر ومعرفة التأويل تقليدا للآباء ، وكذبوه بعد التدبّر تمردا وعنادا ، فذمّهم بالتسرع إلى التكذيب قبل العلم به ، وجاء بكلمة التوقّع ليؤذن أنهم علموا بعد علوّ شأنه وإعجازه لمّا كرر عليهم التحدي وجرّبوا قواهم في المعارضة وعرفوا عجزهم عن مثله فكذبوا به بغيا وحسدا (كَذلِكَ) مثل ذلك التكذيب (كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) يعني كفار الأمم الماضية كذّبوا رسلهم قبل النظر في معجزاتهم وقبل تدبّرها عنادا وتقليدا للآباء ، ويجوز أن يكون معنى ولمّا يأتهم تأويله ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب ، أي عاقبته حتى يتبين لهم أهو كذب أم صدق ، يعني أنه كتاب معجز من جهتين من جهة إعجاز نظمه ومن جهة ما فيه من الإخبار بالغيوب ، فتسرّعوا إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حدّ الإعجاز ، وقبل أن يجرّبوا إخباره بالمغيبات وصدقه وكذبه (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ).
٤٠ ـ (وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ) بالنبيّ ، أو بالقرآن ، أي يصدّق به في نفسه ويعلم أنه حقّ ولكن يعاند بالتكذيب (وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ) لا يصدّق به ويشكّ فيه ، أو يكون للاستقبال ، أي ومنهم من سيؤمن به ومنهم من سيصرّ (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ) بالمعاندين أو المصرّين.
٤١ ـ (وَإِنْ كَذَّبُوكَ) وإن تمّوا على تكذيبك ويئست من إجابتهم (فَقُلْ لِي عَمَلِي) جزاء عملي (وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ) جزاء أعمالكم (أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) وكلّ مؤاخذ بعمله.
٤٢ ـ (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ) ومنهم ناس يستمعون إليك إذا قرأت القرآن وعلّمت الشرائع ولكنهم لا يعون ولا يقبلون فهم كالصّمّ (أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ) أتطمع أنك تقدر على إسماع الصّمّ ولو انضمّ إلى صممهم عدم عقولهم ، لأنّ الأصمّ العاقل ربما تفرّس واستدلّ إذا وقع في صماخه (١) دويّ الصوت فإذا اجتمع
__________________
(١) الصماخ : بكسر الصاد خرق الأذن وقيل هو الأذن نفسها (مختار الصحاح).
![تفسير النسفي [ ج ٢ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4164_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
