(وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (٢٥)
وحقيقته تزيين جثّة الطين بمصالح الدنيا والدّين ، كاختلاط النبات على اختلاف التلوين ، فالطينة الطيبة تنبت بساتين الأنس ، ورياحين الروح ، وزهرة الزّهد ، وكروم الكرم ، وحبوب الحبّ ، وحدائق الحقيقة ، وشقائق الطريقة ، والخبيثة تخرج خلاف الخلف ، وثمام الإثم (١) ، وشوك الشرك ، وشيح الشحّ ، وحطب العطب ، ولعاع اللعب ، ثم يدعوه معاده ، كما يحين للحرث حصاده ، فتزايله الحياة مغترا ، كما يهيج النبات مصفرا ، فتغيب جثة في الرّمس ، كأن لم تغن بالأمس ، إلى أن يعود ربيع البعث ، وموعد العرض والبحث ، وكذلك مال (٢) الدنيا كالماء ينفع قليله ويهلك كثيره ، ولا بد من ترك ما زاد كما لا بدّ من أخذ الزاد ، وآخذ المال لا يصفو (٣) من زلة ، كما أن خائض الماء لا ينجو من بلة ، وجمعه وإمساكه تلف صاحبه وإهلاكه ، فما دون النصاب كضحضاح ماء ، يجاوز بلا احتماء ، والنصاب كنهر حائل بين المجتاز ، والجواز إلى المفاز لا يمكن إلا بقنطرة وهي الزكاة ، وعمارتها بذل الصلات ، فمتى اختلت القنطرة غرّقته أمواج القناطير المقنطرة ، وعن هذا قال عليهالسلام : (الزكاة قنطرة الإسلام) (٤) وكذا المال يساعد الأوغاد دون الأمجاد ، كما أنّ الماء يجتمع في الوهاد دون النّجاد ، وكذلك المال لا يجتمع إلا بكدّ البخيل كما أنّ الماء لا يجتمع إلا بسدّ المسيل ، ثم يفنى ويتلف ، ولا يبقى كالماء في الكف.
٢٥ ـ (وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ) هي الجنة أضافها إلى اسمه تعظيما لها ، أو السلام السلامة لأنّ أهلها سالمون من كلّ مكروه ، وقيل لفشو السلام بينهم وتسليم الملائكة عليهم (إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً) (٥) (وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) ويوفق من يشاء (إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) إلى الإسلام ، أو طريق السّنّة ، فالدعوة عامة (٦) على لسان رسول الله بالدلالة والهداية ، خاصة من لطف المرسل بالتوفيق والعناية ، والمعنى يدعو العباد كلّهم إلى دار السلام ولا يدخلها إلّا المهديّون.
__________________
(١) ثمام : نبت ضعيف له خوص أو شبيه بالخوص ، في (ز) وثمام الاسم.
(٢) في (ز) حال.
(٣) في (ظ) و (ز) لا يخلو.
(٤) قال ابن الجوزي حديث لا يصح ، فيه بقية بن الوليد ، مدلس ، رواه معنعنا (أسنى المطالب ص ١٦٤ ، كنز العمال ٦ / ١٥٧٥٨).
(٥) الواقعة ، ٥٦ / ٢٦
(٦) في (أ) تامة.
![تفسير النسفي [ ج ٢ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4164_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
