فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (٢٣)
(بِهِمْ) أهلكوا ، جعل إحاطة العدو (١) مثلا في الإهلاك (دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) من غير إشراك له ، لأنهم لا يدعون حينئذ معه غيره يقولون (لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ) الأهوال أو من هذه الريح (لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) لنعمتك مؤمنين بك متمسكين بطاعتك ، ولم يجعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر ، ولكن مضمون الجملة الشرطية (٢) بعد حتى بما في حيزها ، كأنه قيل يسيّركم حتى إذا وقعت هذه الحادثة وكان كيت وكيت من مجيء الريح العاصف وتراكم الأمواج والظّنّ بالهلاك والدعاء بالإنجاء ، وجواب إذا جاءتها ، ودعوا بدل من ظنوا ، لأنّ دعاءهم من لوازم ظنّهم للهلاك ، فهو ملتبس به.
٢٣ ـ (فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ) يفسدون فيها (بِغَيْرِ الْحَقِ) باطلا أي مبطلين (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ) أي ظلمكم يرجع إليكم ، كقوله (مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها) (٣) (مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا) حفص ، أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا ، وعلى أنفسكم خبر لبغيكم. غيره بالرفع على أنه خبر بغيكم وعلى أنفسكم صلته ، كقوله (فَبَغى عَلَيْهِمْ) (٤) ومعناه إنما بغيكم على أمثالكم ، أو هو خبر ، ومتاع خبر بعد خبر ، أو متاع خبر مبتدأ مضمر أي هو متاع الحياة الدنيا ، وفي الحديث : (أسرع الخير ثوابا صلة الرّحم وأعجل الشرّ عقابا البغي واليمين الفاجرة) (٥) وروي : (ثنتان يعجلهما الله في الدنيا البغي وعقوق الوالدين) (٦) وعن ابن عباس رضي الله عنهما : لو بغى جبل على جبل لدكّ الباغي (٧) ، وعن محمد ابن كعب (٨) : ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه البغي والنّكث والمكر. قال الله تعالى :
__________________
(١) زاد في (ز) بالحي.
(٢) زاد في (ز) الواقعة.
(٣) فصلت ، ٤١ / ٤٦ ، والجائية ، ٤٥ / ١٥.
(٤) القصص ، ٢٨ / ٧٦.
(٥) إسحاق في مسنده عن مكحول رفعه.
(٦) إسحاق في مسنده ، والطبراني من حديث عبد الله بن أبي بكرة.
(٧) البخاري في الأدب المفرد عن ابن عباس موقوفا ورواه ابن المبارك في الزهد عن مجاهد مرسلا.
(٨) محمد بن كعب بن سليم بن عمرو بن إياس بن قرظة بن عمران بن عمير بن قريظة بن الحارث القرظي من أهل المدينة كان أبوه دون البلوغ يوم قريظة فترك ، كان من أفاضل أهل المدينة علما وفقها مات سنة ١٠٨ ه (الأنساب ٤ / ٤٧٥).
![تفسير النسفي [ ج ٢ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4164_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
