فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ) (٨١)
(فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) والسبعون جار مجرى المثل في كلامهم للتكثير وليس على التحديد والغاية ، إذ لو استغفر لهم مدة حياته لن يغفر الله لهم ، لأنهم كفار والله لا يغفر لمن كفر به ، والمعنى وإن بالغت في الاستغفار فلن يغفر الله لهم ، وقد وردت الأخبار بذكر السبعين وكلّها تدلّ على الكثرة لا على التحديد والغاية ، ووجه تخصيص السبعين من بين سائر الأعداد أنّ العدد قليل وكثير ، فالقليل ما دون الثلاث والكثير الثلاث فما فوقها ، وأدنى الكثير الثلاث وليس لأقصاه غاية ، والعدد أيضا نوعان : شفع ووتر ، وأول الإشفاع اثنان وأول الأوتار ثلاثة ، والواحد ليس بعدد والسبعة أول الجمع الكثير من النوعين ، لأن فيها أوتارا ثلاثة وأشفاعا ثلاثة ، والعشرة كمال الحساب لأن ما جاوز العشرة فهو إضافة الآحاد إلى العشرة ، وكقولك اثنا عشر وثلاثة عشرة إلى عشرين ، والعشرون تكرير العشرة مرتين ، والثلاثون تكريرها ثلاث مرات ، وكذلك إلى مائة ، فالسبعون يجمع الكثرة والنوع والكثرة منه ، وكمال الحساب والكثرة منه ، فصار السبعون أدنى الكثير من العدد من كلّ وجه ولا غاية لأقصاه ، فجاز أن يكون تخصيص السبعين لهذا المعنى ، والله أعلم (ذلِكَ) إشارة إلى اليأس من المغفرة (بِأَنَّهُمْ) بسبب أنهم (كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) ولا غفران للكافرين (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) الخارجين عن الإيمان ما داموا مختارين للكفر والطغيان.
٨١ ـ (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ) المنافقون الذين استأذنوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم فأذن لهم وخلّفهم بالمدينة في غزوة تبوك ، والذين خلّفهم كسلهم ونفاقهم والشيطان (بِمَقْعَدِهِمْ) بقعودهم عن الغزو (خِلافَ رَسُولِ اللهِ) مخالفة له ، وهو مفعول له ، أو حال ، أي قعدوا لمخالفته أو مخالفين له (وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ) أي لم يفعلوا ما فعله المؤمنون من بذل أموالهم وأرواحهم في سبيل الله ، وكيف لا يكرهونه وما فيهم ما في المؤمنين من باعث الإيمان وداعي الإيقان (وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ) قال بعضهم لبعض ، أو قالوا للمؤمنين (١) (قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ) استجهال لهم ، لأنّ من تصوّن من مشقة ساعة فوقع بسبب ذلك التّصوّن في مشقة الأبد كان أجهل من كلّ جاهل.
__________________
(١) زاد في (ظ) و (ز) تثبيطا.
![تفسير النسفي [ ج ٢ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4164_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
