ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٢٧)
اليوم من قلة ، فساءت رسول الله عليه الصلاة والسلام (إِذْ) بدل من يوم (أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) فأدرك (١) المسلمين كلمة الإعجاب بالكثرة ، وزلّ عنهم أنّ الله هو الناصر لا كثرة الجنود ، فانهزموا حتى بلغ فلّهم مكة وبقي رسول الله صلىاللهعليهوسلم وحده وهو ثابت في مركزه ليس معه إلا عمّه العباس آخذا بلجام دابته وأبو سفيان ابن الحارث ابن عمّه آخذا بركابه فقال للعباس : (صح بالناس) وكان صيّتا فنادى يا أصحاب الشجرة ، فاجتمعوا وهم يقولون : لبيك ، لبيك ونزلت الملائكة عليهم الثياب البيض على خيول بلق (٢) ، فأخذ رسول الله صلىاللهعليهوسلم كفا من تراب فرماهم به ، ثم قال : (انهزموا ورب الكعبة) فانهزموا ، وكان من دعائه عليهالسلام يومئذ : (اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان) (٣) وهذا دعاء موسى عليهالسلام يوم انفلاق البحر (فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ) ما مصدرية والباء بمعنى مع أي مع رحبها ، وحقيقته ملتبسة برحبها على أن الجار والمجرور في موضع الحال كقولك دخلت عليه بثياب السفر أي ملتبسا (٤) بها ، والمعنى لم تجدوا موضعا لفراركم عن أعدائكم فكأنها ضاقت عليكم (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) ثم انهزمتم.
٢٦ ـ (ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ) رحمته التي سكنوا بها وأمنوا (عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها) يعني الملائكة وكانوا ثمانية آلاف ، أو خمسة آلاف ، أو ستة عشر ألفا (وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا) بالقتل والأسر وسبي النساء والذراري (وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ).
٢٧ ـ (ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ) وهم الذين أسلموا منهم (وَاللهُ غَفُورٌ) بستر كفر العدوّ بالإسلام (رَحِيمٌ) بنصر الولي بعد الإنهزام.
__________________
(١) في (ز) فادركت.
(٢) خيول بلق : سوداء وبيضاء معا (القاموس ٣ / ٢١٤).
(٣) القصة في مسلم من طريق الزهري عن كثير بن عباس بن عبد المطلب عن العباس فيها تغيير ونقص عما ساقه النسفي.
(٤) في (ز) متلبسا.
![تفسير النسفي [ ج ٢ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4164_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
