(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (١٨٩)
وبراءة عما يختصّ بالربوبية من علم الغيب ، أي أنا عبد ضعيف ، لا أملك لنفسي اجتلاب نفع ولا دفع ضرر ، كما المماليك (١) إلا ما شاء مالكي من النفع لي والدفع عني (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ) أي لكانت حالي على خلاف ما هي عليه من استكثار الخير واجتناب السوء والمضارّ حتى لا يمسني شيء منها ، ولم أكن غالبا مرة ومغلوبا أخرى في الحروب. وقيل الغيب الأجل ، والخير العمل ، والسوء الوجل ، وقيل لاستكثرت لا عددت (٢) من الخصب للجدب. والسوء الفقر ، وقد ردّ (إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ) إن أنا إلا عبد أرسلت نذيرا وبشيرا ، وما من شأني أن أعلم الغيب ، واللام في (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) يتعلق بالنذير والبشير النّذارة والبشارة إنما ينفعان فيهم ، أو بالبشير وحده ، والمتعلق بالنذير محذوف أي إلا نذير للكافرين وبشير لقوم يؤمنون.
١٨٩ ـ (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) هي نفس آدم عليهالسلام (وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها) حواء خلقها من جسد آدم من ضلع من أضلاعه (لِيَسْكُنَ إِلَيْها) ليطمئن إليها (٣) ويميل ، لأن الجنس إلى الجنس أميل خصوصا إذا كان بعضا منه ، كما يسكن الإنسان إلى ولده ويحبّه محبة نفسه لكونه بضعة منه. وذكّر ليسكن بعد ما أنّث في قوله واحدة (٤) منها زوجها ذهابا إلى معنى النفس ليبين أنّ المراد بها آدم (فَلَمَّا تَغَشَّاها) جامعها (حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً) خفّ عليها ولم تلق منه ما يلقى بعض الحبالى من حملهنّ من الكرب والأذى ، ولم تستثقله كما يستثقلنه (فَمَرَّتْ بِهِ) فمضت به إلى وقت ميلاده من غير إخداج ولا إزلاق (٥) ، أو حملت حملا خفيفا يعني النطفة فمرت به فقامت به وقعدت (فَلَمَّا أَثْقَلَتْ) حان وقت ثقل حملها (دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما) دعا آدم وحواء ربّهما ومالك أمرهما الذي هو الحقيق بأن يدعى ويلتجأ إليه فقالا (لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً) لئن وهبت لنا ولدا سويا قد صلح بدنه ، أو ولدا ذكرا لأنّ الذكورة من الصلاح (لَنَكُونَنَّ مِنَ
__________________
(١) في (ظ) و (ز) كالمماليك.
(٢) في (ظ) و (ز) لاعتددت.
(٣) ليست في (ز).
(٤) زاد في (ز) وخلق.
(٥) الإخداج : الولادة المبكرة. الإزلاق : الإسقاط.
![تفسير النسفي [ ج ٢ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4164_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
