مقتضى داعيه ، وفيما لا ابتلاء به لا داعي للمكلّف إليه ليصدّه المولى بنهيه ، بل الغرض من النهي حاصل ، فيكون النهي لغوا قبيحا.
ويمكن المناقشة في ذلك بمنع كون الغرض ذلك ، بل الغرض من الخطابات التكليفيّة إحداث دواع مولويّة ، فإنّ لم يكن للمكلّف داع إلى مطلوب المولى أحدث فيه الداعي وإن كان قلب داعيه النفساني إلى داعي الطلب ، فالنهي فيما لا داعي للمكلّف إلى إتيانه إنّما هو لأجل تغيير عدم داعيه النفساني إلى داعي الطلب وترك الفعل امتثالا لنهي المولى ، ولو لا ذلك لم يكن نهي حين لم يكن للمكلّف داع شخصي نحو الفعل وإن كان الفعل داخلا في محلّ الابتلاء ، وهذا باطل بالقطع.
وعلى هذا لم يكن محذور عقلي في الالتزام بشمول الخطابات لما خرج عن محلّ الابتلاء بعد دخوله تحت القدرة وأمكن للمكلّف العمد إلى ارتكابه ولو من مسافة بعيدة ، وعليه فلم يكن فرق في وجوب الاحتياط في أطراف العلم الاجمالي بين خروج بعض الأطراف عن محلّ الابتلاء وعدمه.
ثمّ لو سلّمنا الفرق فلا نسلّمه بقول مطلق ، بل نفصّل بين خارج عن محلّ الابتلاء يتوقّع منه الدخول وله أمد ينتظر وبين خارج بالمرّة لا يترقّب منه الدخول ، وما لا يجب فيه الاحتياط هو خصوص الثاني ؛ وسرّه أنّ في الأوّل لا مانع من التكليف الفعلي معلّقا على الدخول ، فيكون الدخول في محلّ الابتلاء قيدا للمادّة ومتعلّق التكليف لا قيدا لنفس التكليف ، فإذا لم يكن مانع من التكليف أخذ بإطلاق دليل التكليف بمقدار عدم المنع ، ورفع اليد عنه فيما فيه المنع.
فيظهر إطلاق دليل التكليف بعد هذا التقييد بكسوة تكليف تعليقي حكمه فعلي ومتعلّقه استقبالي ، وفي مثل ذلك يجب الاحتياط كما إذا علم بوجوب متوجّه إليه فعلا لكن إمّا متعلّقا بإكرام زيد في الحال أو عمرو في يوم الجمعة ، فإنّه يجب الاحتياط بإكرام زيد في الحال وإكرام عمرو يوم الجمعة ، وفي المقام يجب الاحتياط بإتيان الداخل في محلّ الابتلاء من الآن ، وإتيان غير الداخل من حين ما يدخل ؛ لأنّ التكليف على كلّ حال فعلي إمّا متعلّق بهذا من هذا الوعاء أو بذاك من وعاء متأخّر ، والعقل يوجب الخروج عن عهدة التكليف توجّه فعلا بالقطع كائنا ما كان متعلّقه ، ولا ينظر إلى أنّ متعلّقه أمر استقبالي.
![الأصول في علم الأصول [ ج ٢ ] الأصول في علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4115_alusul-fi-ilm-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
