آخر استقبالا فربما يقال : إنّ حكمه البراءة ؛ فإنّ توجّه التكليف في أزيد ممّا قبل الاضطرار مشكوك ، وإنّما المعلوم من التكاليف المتتالية الحادثة شيئا فشيئا هو التكاليف الممتدّة إلى زمان الاضطرار ، فيحتاط إلى زمان الاضطرار بالاجتناب عن الأطراف قضاء لحقّ العلم ، ثمّ يرجع إلى البراءة ممّا بعد زمان الاضطرار.
لكنّ المختار عندنا مع ذلك هو وجوب الاحتياط بالاجتناب عن الطرفين ، هذا إلى زمان الاضطرار وذاك أبدا ؛ فإنّ التكاليف المتدرّجة المتتالية في الجانب القصير هي أحد طرفي العلم الإجمالي ، وطرفه الآخر هي التكاليف المتتالية في الجانب الطويل ، فما به فضلة الجانب الطويل على جانب القصير داخل في طرف العلم الإجمالي كدخول ما يساويه.
وعدم توجّه كلّ تلك التكاليف فعلا لا يضرّ بإلزام العقل فعلا ؛ وذلك أنّ حكم العقل بالإطاعة وارد على متن الإطاعة وطبيعتها المنطبقة على ما كان إطاعة فعلا وما سيكون إطاعة ، والحكم من العقل على هذه الطبيعة فعلي وإن كان أفراد هذه الطبيعة تدريجيّا ، فإن قرّرنا العلم الإجمالي في حكم العقل هذا ظهر بصورة أوّل الصور الذي عرفت أنّه لا إشكال في وجوب الاحتياط فيه ، فيقال : يجب الإطاعة حكما عقليّا فعليّا إمّا في هذا الجانب الذي سيعرضه الاضطرار ومصاديقها مائة ، وإمّا في ذاك الجانب الآخر ومصاديقها ألف ، فيكون كما إذا علم بوجوب إكرام هذا العالم الذي سيموت غدا وذاك العالم الذي يعيش حينا من الدهر الواجب إكرام كلّ إلى أن يموت ؛ لأنّ الحكم في كلّ من الجانبين كان متوجّها فعلا ، والمتأخّر وعاء متعلّقه لا وعاء حدوث نفسه.
[خروج بعض الأطراف عن مورد الابتلاء]
إذا كان بعض أطراف العلم الإجمالي خارجا عن مورد الابتلاء فهو كما لو خرج عن حيّز القدرة في اللاتكليفيّة ، فيرجع الشكّ في الجانب الآخر إلى الشكّ الساذج ، وحكمه البراءة ؛ فإنّ التكليف بما لا ابتلاء به عادة قبيح.
نعم ، حينما يحصل الابتلاء يحدث التكليف ، فإن كان الجانب الآخر باقيا إلى ذاك الحين حدث علم إجمالي بالتكليف ، ووجب الاحتياط ، وإن كان تالفا أو خارجا عن محلّ الابتلاء لم يجب. ومبنى هذا الكلام هو أنّ الغرض من النهي هو ردع المكلّف عن الجري على
![الأصول في علم الأصول [ ج ٢ ] الأصول في علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4115_alusul-fi-ilm-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
