التكليف انتهاء طلب المولى إلى حكم العقل بالإطاعة ، فإن كان صحّ العقاب وإلّا فلا ، فصحّة العقاب منوط دائما بإلزام من العقل بالفعل في مرتبة سابقة مع قطع النظر عن ثبوت العقاب. فاللازم على المستدلّ قصر حكم العقل ذلك ، فيحصل القصر في استحقاق العقاب قهرا.
ولا يبعد أن يقال بالقصر المذكور ، وأنّ حكم العقل بالإطاعة مقصور بصورة العلم بالتكليف ، فالعلم موضوع في حكم العقل بالإطاعة ، لا أنّه طريقي ويكون موضوعه التكليف الواقعي ، ليجب الاحتياط في مفروض الشكّ.
هذا على مذاق القوم ، وأمّا على مشربنا فالتكليف بحقيقته متقوّم بالعلم ، ولا تكليف جزما حيث لا علم ، فموضوع الشكّ في التكليف لا يكون ليتكلّم في حكمه.
ومن هذا ظهر أن ليس للأخباري أن يتمسّك بقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل أو المظنون ـ حيث كان التكليف مظنونا ـ ؛ فإنّ ضرر العقاب مترتّب على حكم العقل وإلزامه بالاحتياط ، فكيف يرتّب عليه حكم العقل وإلزامه بالاحتياط؟!
فاللازم لمن يدّعي حكم العقل بالاحتياط ألا يسند ذلك إلى احتمال العقاب ، بل يدّعي حكما ساذجا من العقل بالإطاعة الاحتماليّة كما يحكم بالإطاعة القطعيّة ، فيفتح بذلك باب احتمال العقاب.
وأمّا الضرر الدنيوي فهو منوط بأن تكون الأحكام منبعثة من مناطات في متعلّق ، ثمّ لم تكن في ارتكاب محتمل الضرر أو مظنونه ما يسوّغه ؛ فإنّ العقل يقتحم في مظانّ الهلكات ؛ لاحتمال نفع اجل ، بل يقدم على الضرر القطعي لدفع ضرر آخر أقوى ، أو لجلب نفع مهمّ. بل لو كان ضرر التكليف ضررا نفسيّا ـ كقساوة القلب وكدورة النفس مع نفع له في البدن كشرب الخمر ـ ربما لا يوجب العقل في التحرّز عن مقطوعه فضلا عن محتمله.
وربما يقال : إنّ مناط التكاليف هي المصالح والمفاسد ، والمفاسد غير المضارّ ، والذي يجب دفع محتمله أو مظنونه هو المضارّ.
وفيه : أنّ كلّ فساد فهو ضرر ، ولا نعقل فسادا لا يكون وجوده ضررا ، وكأنّ هذا القائل قصر الضرر بما كان نقصا في النفس والطرف والمال ، وأخرج نقص الجاه والإخلال بالحيثيّات الاعتباريّة عن ذلك ، وأدخله في الفساد ، مع أنّ الضرر فيهما ربما يكون أشدّ من ضرر النفس فضلا عن ضرر المال ، فربما يستحي الشخص ببذل النفس ولا يستحي ببذل
![الأصول في علم الأصول [ ج ٢ ] الأصول في علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4115_alusul-fi-ilm-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
