الجاه ، بل يبذل نفائس الأموال صونا للجاه.
ثمّ لو سلّمنا تغاير الفساد والضرر لا نسلّم اختلافهما في الحكم ، بل العقل يحكم بدفع الفساد المظنون أو المحتمل كما يحكم بدفع الضرر المظنون أو المحتمل. هذا ، مع أنّ التكليف ربما يكون بمناط الضرر ، فإذا احتمل ذلك في مورد الشبهة ولم يقطع بأنّ التكليف لو كان فهو بمناط المفسدة ، فاللازم أن يلتزم هذا القائل بمقالة الخصم ويوجب الاحتياط.
استدلّ على وجوب الاحتياط بالأدلّة الثلاثة ، فمن الكتاب بطوائف ثلاث :
الأولى : الآيات الناهية عن القول بغير علم واتّباع الظنّ.
قال الله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ)(١) وقال عزّ اسمه : (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)(٢) وقال تعالى : (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)(٣) وقال : (ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)(٤) وقال : (وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً)(٥) فإنّ الفتوى بإباحة ما اشتبه حكمه قول بغير علم ، واتّباع للمظنّة فيما ظنّ بإباحته.
ويدفعه : أنّ القول بالإباحة الواقعيّة والفتوى بها قول بغير علم ، والقائل بالبراءة لا يقول بها ، وإنّما يقول بالإباحة الظاهريّة والإباحة العقليّة ويفتي بهما ، وذلك ليس قولا بغير علم ، بل قول بما نهض عليه الدليل الشرعي والعقلي.
الثانية : الآيات الآمرة بالتقوى.
قال تعالى : (اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ)(٦) وقال عزّ من قائل : (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)(٧) ؛ فإنّ
__________________
(١) الصفّ (٦١) : ٢ و ٣.
(٢) الإسراء (١٧) : ٣٦.
(٣) الأنعام (٦) : ١١٦.
(٤) الزخرف (٤٣) : ٢٠.
(٥) يونس (١٠) : ٣٦.
(٦) آل عمران (٣) : ١٠٢.
(٧) التغابن (٦٤) : ١٦.
![الأصول في علم الأصول [ ج ٢ ] الأصول في علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4115_alusul-fi-ilm-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
