وقالت فرقة : معناه لأقتلنّك ، وهذان القولان بمعنى واحد.
وقوله : (وَاهْجُرْنِي) على هذا التّأويل إنما يترتب بأنه أمر على حياله ؛ كأنه قال : إن لم تنته قتلتك بالرجم ، ثم قال له : واهجرني ، أي : مع انتهائك ، و (مَلِيًّا) معناه : دهرا طويلا مأخوذ من الملوين ؛ وهما اللّيل والنّهار ؛ هذا قول الجمهور.
(قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) (٥٠)
وقوله : (قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ) اختلف في معنى تسليمه على أبيه ، فقال بعضهم : هي تحية مفارق ، وجوّزوا تحية الكافر وأن يبدأ بها.
وقال الجمهور : ذلك السلام بمعنى المسالمة ، لا بمعنى التّحيّة.
وقال الطبريّ (١) : معناه أمنة منّي لك ؛ وهذا قول الجمهور ؛ وهم لا يرون ابتداء الكافر بالسّلام.
وقال النّقّاش : حليم خاطب سفيها ؛ كما قال تعالى : (وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً) (٢) [الفرقان : ٦٣].
وقوله : (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) معناه : سأدعو الله تعالى في أن يهديك ، فيغفر لك بإيمانك ، ولمّا تبيّن له أنه عدوّ لله تبرّأ منه.
والحفيّ : المهتبل المتلطّف ، وهذا شكر من إبراهيم لنعم الله تعالى عليه ، ثم أخبر إبراهيم عليهالسلام بأنه يعتزلهم ، أي : يصير عنهم بمعزل ، ويروى : أنهم كانوا بأرض كوثى ، فرحل عليهالسلام حتّى نزل الشام ، وفي سفرته تلك لقي الجبّار الّذي أخدم هاجر ...» الحديث الصحيح بطوله (٣) ، و (تَدْعُونَ) معناه : تعبدون.
وقوله : (عَسى) : ترجّ في ضمنه خوف شديد.
وقوله سبحانه : (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ ...) إلى آخر الآية : إخبار من الله تعالى لنبيّه صلىاللهعليهوسلم أنّه لما رحل إبراهيم عن بلد أبيه وقومه ، عوّضه الله تعالى من ذلك ابنه إسحاق ، وابن ابنه
__________________
(١) ينظر : «الطبريّ» (٨ / ٣٤٩)
(٢) ذكره ابن عطية (٤ / ١٩)
(٣) تقدم هذا الحديث في «تفسير سورة إبراهيم».
![تفسير الثعالبي [ ج ٤ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4072_tafsir-alsaalabi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
