كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) ، إذ كان الملك لا يرى استرقاق السّارق ، وإنما كان دينه أن يأخذ المجنيّ / عليه من السارق مثلي السّرقة. (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) : التزام الإخوة لدين يعقوب بالاسترقاق ، فقضى عليهم به ، انتهى.
قال* ع (١) * : والاستثناء في هذه الآية حكاية حال التقدير ، إلا أن يشاء الله ما وقع من هذه الحيلة ، وروى أبو عمر بن عبد البرّ بسنده ، عن مالك ، عن زيد بن أسلم ؛ أنه قال في قوله عزوجل : (نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ) : قال : بالعلم ، انتهى من «كتاب العلم».
وقوله سبحانه : (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) ، المعنى : أنّ البشر في العلم درجات ، فكلّ عالم فلا بدّ من أعلم منه ، فإما من البشر ، وإما الله عزوجل ، فهذا تأويل الحسن وقتادة وابن عباس (٢) وروي أيضا عن ابن عبّاس : إنما العليم الله ، وهو فوق كل (٣) ذي علم.
قال ابن عطاء في «التنوير» : اعلم أنّ العلم حيث ما تكرّر في الكتاب العزيز ، أو في السّنّة ، فإنما المراد به العلم النافع الذي تقارنه الخشية ، وتكتنفه المخافة. انتهى.
قال الشيخ العارف أبو القاسم عبد الرحمن بن يوسف اللّجائيّ رحمهالله : إذا كملت للعبد ثلاث خصال ، وصدق فيها ، تفجّر العلم من قلبه على لسانه ، وهي الزّهد ، والإخلاص ، والتقوى ، قال : ولا مطمع في هذا العلم المذكور إلا بعد معالجة القلب من علله التي تشينه ، كالكبر ، والحسد ، والغضب ، والرياء ، والسّمعة ، والمحمدة والجاه ، والشّرف ، وعلوّ المنزلة ، والطمع ، والحرص ، والقسوة ، والمداهنة ، والحقد ، والعداوة ، وكل ما عددناه من العلل ، وما لم نعدّه راجع إلى أصل واحد ، وهو حبّ الدنيا ، لأنّ حبها عنه يتفرّع كلّ شر ، وعنه يتشعّب كلّ قبيح ، فإذا زالت هذه العلل ظهر الصّدق ، والإخلاص ، والتواضع ، والحلم ، والورع ، والقناعة ، والزّهد ، والصّبر ، والرّضا ، والأنس ، والمحبّة ، والشّوق ، والتوكّل ، والخشية ، والحزن ، وقصر الأمل ، ومزاج النية بالعمل ، فينبع
__________________
(١) ينظر : «المحرر الوجيز» (٣ / ٢٦٥ ـ ٢٦٦)
(٢) أخرجه الطبري (٧ / ٢٦٣ ـ ٢٦٤) برقم : (١٩٥٩٧ ـ ١٩٥٩٨ ـ ١٩٥٩٩ ـ ١٩٦٠٠) وبرقم : (١٩٥٩٠) ، وذكره ابن عطية (٣ / ٢٦٦) ، وابن كثير (٢ / ٤٨٦) ، والسيوطي (٤ / ٥٣) ، وعزاه لابن جرير ، وأبي الشيخ.
(٣) أخرجه الطبري (٧ / ٢٦٣) برقم : (١٩٥٨٧ ـ ١٩٥٨٨) ، وذكره ابن عطية (٣ / ٢٦٦) ، وابن كثير (٢ / ٤٨٦) ، والسيوطي (٤ / ٥٢) ، وعزاه للفريابي ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، والبيهقي في «الأسماء والصفات».
![تفسير الثعالبي [ ج ٣ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4071_tafsir-alsaalabi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
