ويؤنّسهم ويستميلهم ، و (الْمُنْزِلِينَ) : يعني : المضيفين ، ثم توعّدهم بقوله : (فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ) ، أي : في المستأنف ، وروي عن النبيّ صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «كان يوسف يلقي حصاة في إناء فضّة مخوص بالذّهب فيطنّ ، فيقول لهم : إنّ هذا الإناء يخبرني أنّ لكم أبا شيخا» ، وروي أنّ ذلك الإناء به كان يكيل الطعام ، إظهارا لعزّته بحسب غلائه ، وروي أن يوسف استوفى في تلك السنين أموال الناس ، ثم أملاكهم ، وظاهر كلّ ما فعله يوسف معهم أنّه بوحي وأمر ، وإلا فكان برّ يعقوب يقتضي أن يبادر إليه ويستدعيه ، لكنّ الله تعالى أعلمه بما يصنع ؛ ليكمل أجر يعقوب ومحنته ، وتتفسّر الرؤيا الأولى.
وقوله : (لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها) : يريد : لعلّهم يعرفون لها يدا وتكرمة يرون حقّها ؛ فيرغبون في الرجوع إلينا ، وأما ميز البضاعة ، فلا يقال فيه : «لعلّ» وقيل : قصد يوسف بردّ البضاعة أن يتحرّجوا من أخذ الطعام بلا ثمن ، فيرجعوا لدفع الثمن ، وهذا ضعيف من وجوه ، وسرورهم بالبضاعة ، وقولهم : (هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا) يكشف أنّ يوسف لم يقصد هذا ، وإنما قصد أن يستميلهم ، ويصلهم ، ويظهر أنّ ما فعله يوسف من صلتهم وجبرهم في تلك الشّدّة كان واجبا عليه ، وقيل : علم عدم البضاعة والدّراهم عند أبيه ؛ فردّ البضاعة إليهم ؛ لئلّا يمنعهم العدم من الرجوع إليه ، وقيل : جعلها توطئة لجعل السقاية في رحل أخيه بعد ذلك ، ليبيّن أنه لم يسرق لمن يتأمّل القصّة ، والظاهر من القصّة أنه إنما أراد الاستئلاف وصلة الرحم ، وأصل «نكتل» : «نكتئل» ، وقولهم : (مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ) : ظاهره أنهم أشاروا إلى قوله : (فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي) ، فهو خوف في المستأنف ، وقيل : أشاروا إلى بعير يامين ، والأول أرجح ، ثم تضمّنوا له حفظه وحيطته ، وقول يعقوب عليهالسلام : (هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ ...) الآية : «هل» توقيف وتقرير / ولم يصرّح بمنعهم من حمله ؛ لما رأى في ذلك من المصلحة ، لكنّه أعلمهم بقلّة طمأنينته إليهم ، ولكن ظاهر أمرهم أنهم قد أنابوا إلى الله سبحانه ، وانتقلت حالهم ، فلم يخف على يامين ، كخوفه على يوسف ، وقرأ نافع وغيره (١) : «خير حفظا» ، وقرأ حمزة وغيره : «خير حافظا» ، ونصب ذلك في القراءتين ؛ على التمييز والمعنى : أنّ حفظ الله خير من حفظكم ، فاستسلم يعقوب عليه
__________________
(١) وحجتهم في ذلك قولهم قيل : (وَنَحْفَظُ أَخانا) ، فلما أضافوا إلى أنفسهم ، قال يعقوب : (فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً) أي من حفظكم الذي نسبتموه إلى أنفسكم.
وحجة الباقين : قولهم قبل : (وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) ، فقال يعقوب رادّا عليهم : (فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً). ينظر : «العنوان» (١١١) ، و «شرح الطيبة» (٤ / ٣٨٦) ، و «شرح شعلة» (٤٤٠) ، و «إعراب القراءات» (١ / ٣١٤)
![تفسير الثعالبي [ ج ٣ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4071_tafsir-alsaalabi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
