معناه أنهم سمعوا قرآنا مباينا لسائر الكتب بديعا في حسن نظمه وصحة معانيه فيه معاني الإعجاز .. ومن مرادفات الفعل «أعجب» الفعل «راق» نحو : راقني هذا الكتاب ولا نقول : راق لي هذا الكتاب لأنه فعل يتعدى بنفسه إلى مفعوله والمعنى : أعجبني هذا الكتاب فالكتاب رائق ـ اسم فاعل ـ وأنا مروق ـ اسم مفعول ـ قال الشاعر :
|
فيا عجبا لمن ربيت طفلا |
|
ألقمه بأطراف البنان |
|
أعلمه الرماية كل يوم |
|
فلما استد ساعده رماني |
|
وكم علمته نظم القوافي |
|
فلما قال قافية هجاني |
الشاعر هنا عنى من يسيء إليك وقد أحسنت إليه .. فاتق شر من أحسنت إليه. والألف في قول الشاعر «فيا عجبا» بدل من ياء الإضافة ـ ياء المتكلم ـ وكان الأصل فيه : فيا عجبي وياء الإضافة يجوز قلبها ألفا في النداء نحو : يا غلاما في «يا غلامي» وقد نودي العجب وهو غير عاقل لأن المنادى الحقيقي محذوف تقديره يا هؤلاء .. أو يا قوم اشهدوا عجبي من الشيء .. ومثله «يا ليتني» التقدير : يا هؤلاء مثلا .. وكما قيل : يا لعنة الله على الظالمين. أي يا قوم لعنة الله على الظالمين. وقيل يجوز أن يكون قد نادى العجب اتساعا ومجازا فكأنه قال : يا عجبي تعال واحضر فإن هذا أوان إتيانك وحضورك.
** (وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً) : هذا القول الكريم هو نص الآية الكريمة الثالثة .. المعنى : تعاظم وارتفع جلال وملك وسلطان ربنا وغناه عن الصاحبة والولد و «الجد» هو العظمة من قولك : جد فلان في عيني : بمعنى : عظم. والصاحبة : مؤنث «الصاحب» أي المرافق والملازم والمعاشر وهنا بمعنى : الزوجة وكما في قوله تعالى في سورة «المعارج» (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ) وعلى ذكر «الصاحب» والصاحبة قالت العرب في أمثالها : رب كلمة تقول لصاحبها دعني. أي اتركني. فصار هذا المثل أو القول مثلا يضرب في النهي عن الإكثار مخافة الإهجار. وقصة هذا المثل كما جاء في ـ مجمع الأمثال ـ أن ملكا من ملوك حمير خرج متصيدا ومعه نديم له كان يقربه ويكرمه فأشرف على صخرة ملساء ووقف عليها فقال له النديم : لو أن إنسانا ذبح على هذه الصخرة إلى أين كان يبلغ دمه؟ فقال الملك : اذبحوه عليها ليرى دمه إلى أين يبلغ! فذبح عليها فقال الملك : رب كلمة تقول لصاحبها دعني.
** (وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللهِ شَطَطاً) : هذا القول الكريم هو نص الآية الكريمة الرابعة .. وشطط بمعنى : قولا بعيدا عن الصواب أي قولا ذا شطط كنسبة الصاحبة والولد إلى الله تعالى. وسفيهنا : معناه : كبيرنا أو جاهلنا أو طائشنا .. وقيل المراد : مردة الجن أو إبليس أو غيره من الجن .. وإبليس مأخوذ من «أبلس» بمعنى : سكت وآيس وهو اسم أعجمي وقيل : عربي مشتق من الإبلاس وهو اليأس وسمي «إبليس» بالسفيه في هذه الآية الكريمة أو من كان على شاكلته من سفه ـ يسفه ـ سفها من باب «تعب» فهو سفيه وهي سفيهة وهم سفهاء .. والسفه : نقص في العقل وأصله : الخفة والاضطراب والسفه : مصدر واسم بمعنى : رداءة الخلق وهو نقيض الحلم. وقيل : إن اسم «إبليس» هو عزازيل وكنيته : أبو مرة. وقال إبليس : أأسجد لمن هو دوني لأنه من طين وخلقتني من نار تغلب الطين وتأكله.
![إعراب القرآن الكريم لغةً وإعجازاً وبلاغة تفسيراً بالإيجاز [ ج ١٠ ] إعراب القرآن الكريم لغةً وإعجازاً وبلاغة تفسيراً بالإيجاز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4044_irab-alquran-alkarim-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
