فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ) [سورة يوسف : ٢٣] ، إن في ذكر بيتها ترتيب ليوسف عليه الصلاة والسّلام ، وتعريف بأنه كان في حكمها مع ذلك فامتنع منها بخلاف ما لو راودته في موضع هو متمكن من الهروب.
قوله تعالى : (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ).
قال ابن عرفة : كان بعضهم يقدر وجه الترتيب في هذه المعطوفات ثلاثة أمور :
وهو الظاهر والأظهر ، والسبب والمسبب ، والتعدي والمصور ، فقدم الإسلام ظهوره وخفاء الإيمان ، وقدم الإيمان على القنوت ؛ لأنه أظهر من القنوت ؛ لأن القانت هو [٦١ / ٢٩٥] القائم بالطاعة الدائم عليها ، فيعرف إيمان الشخص بمجرد المخالطة ، ولا يعلم أنه قانت إلا بالمداومة على مخالطته ، ولأن القنوت مطلق الطاعة ، والإسلام شرط فيها ورتبة الشرط أن يكون متقدما على المشروط ، وقدم (وَالْقانِتِينَ) على (الصَّادِقِينَ). (وَالصَّابِرِينَ ؛) لأن الصادق هو الذي يصدق في نيته وقوله وعمله ، والصابر الذي يصبر على فعل الطاعة وعلى المعاصي ، فحصول وصف القنوت لهم مع الإسلام سبب في اتصافهم بالصدق والصبر لاجتناب المنهيات ؛ لأنه منع نفسه من شهواتها ، وكلها متعلقات الطاعة فإثباتها بعدها شبه التفسير بهذا الإجمال ، ثم قال تعالى (وَالْخاشِعِينَ) ، إشارة إلى من حصلت له هذه الأوصاف لا ينبغي له أن يثق بعمله ، بل لا يزال خائفا خاشعا ؛ لأن هؤلاء على فعلهم هذا كله مهما مالوا عليه أزداد خوفهم وخشوعهم ، وأخر المتصدقين إما لأن ما قبلها أوصاف قاصرة ، وهي وصف بطاعة متعدية للغير ، وإما حديث أول الطهارة من صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري من" إن الصدقة برهان" ، فهو كالدليل على صحة ما تقدم من الطاعات ، ورتبة الدليل أن يكون بعد المدلول ، وأخر الصيام ؛ لأنه أمر عدمي راجع لترك الأكل والاستمتاع ، وجميع ما قبله أمر وجودية ، والوجود أشرف من العدم ، وقدم الصوم على حفظ الفرج ؛ لأن الصوم غير دائم في زمنها ، وهو النهار فقط ، وحفظ الفرج ترك دائم في كل الأزمان ، فالصوم أقرب إلى الوجود ، وحفظ الفروج أبعد.
قلت : وتقدم عن ابن عرفة أنه إنما أخرهما عن المتصدقين ؛ لأن الصدقة مظنة ، ومن حصل له الغناء هو متمكن من شهوة بطنه وفرجه ، فأفاد أنهم مع ذلك يتركون شهوة بطونهم بالصوم ، وشهوة فروجهم يحفظها عن المحارم ، فجاء هذا شبه
![تفسير ابن عرفة [ ج ٣ ] تفسير ابن عرفة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4000_tafsir-ibn-alarafah-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
