يَوْمٌ مَّشْهُودٌ ) (١) والسعيد ذلك اليوم هو المتمسك بأمر الله والشقي هو المضيع .
وقال في الرسالة : واعلم أيها الأمير ، أن المخالفين لكتاب الله تعالى وعدله يحيلون في أمر دينهم بزعمهم على القضاء والقدر ثم لا يرضون في أمر دنياهم إلا بالاجتهاد والتعب والطلب والأخذ بالحزم فيه . وذلك لثقل الحق عليهم ، ولا يعولون في أمر دنياهم وفي سائر تصرفهم على القضاء والقدر ، فلو قيل لأحدهم : لا تستوثق في أمورك ، ولا تقفل حانوتك احترازاً لمالك واتكل على القضاء والقدر ، لم يقبل ذلك ، ثم يعولون عليه في الذي قال .
وما يحتجون به أن الله تعالى قبض قبضة فقال : « هذا في الجنة ولا أبالي . وقبض أخرى وقال : هذا في النار ولا أبالي » . فإنهم يرون ربهم يصنع ذلك ، كالمقارع بينهم المجازف فتعالى الله عما يصفونه .
فإن كان الحديث حقاً ، فقد علم الله تعالى أهل الجنة وأهل النار ، قبل القبضتين وقبل أن خلقهم ، فإنما قبض الله أهل الجنة الذين في علمه أنهم يصيرون إليها ، وإنما مرادهم أن يقرروا في نفوس الذين يقبلون ما رووه ، أن تكون أعمال الناس هباءً منثوراً ، من حيث قد فرغ من الأمر ، وكيف يصح ذلك مع قوله ( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا ) (٢) وهو الذي حملهم عليه .
وما معنى قوله ( فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ) (٣) وقد منعهم ؟ وكيف يقول ( مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ ) (٤) بل كان يجب أن يقول : ما كان لأهل المدينة أن يعملوا بما قضيت عليهم (٥) ، ولما قال ( فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي
____________________
(١) سورة هود : الآية ١٠٣ .
(٢) سورة مريم : الآية ٩٠ ـ ٩١ .
(٣) سورة الانشقاق : الآية ٢٠ .
(٤) سورة التوبة : الآية ١٢٠ .
(٥) كذا في النسخة والظاهر : إلا بما قضيت عليهم .
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ١ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F40_bohos-fi-almelal-wa-alnahal-1%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

