وقوله : (وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ) ، فهو للمؤمنين [الذين] اتخذوا الحياة الدنيا للآخرة ، وعقلوا الآيات التي بينها لهم ؛ للنظر فيها والتفكر والتأمل فيها ، ووضعوها مواضعها ، والله أعلم.
وقوله : (وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ) هو يخرج على الوجوه التي ذكرنا في قوله : (أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ).
قال الإمام الهندي ـ رضي الله عنه ـ في قوله : (وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ) : إن الحياة الدنيا وحبها لنفسه وعلى ما أنشئت وجعلت له ـ حكمة وحق وسرور ليس بغرور ، وأما اختيارها وحبها لغيره واستعمالها لغير الذي أنشئت وجعلت ـ غرور ولعب ولهو ؛ لأن من أحب شيئا استكثر منه ، وحبسه لنفسه ، وحفظه من نقصه وضياعه ، واستبقاه لوقت حاجته ويوم فقره ؛ فعلى ذلك من جمع الدنيا لنفسه وأحبها واستعملها فيما أذن له ، وهو أن يجعلها زادا للآخرة وبلغة إليها ، فإذا علم ذلك استكثر منها عند الله ليوم فاقته ، فمن أحبها واختارها لهذا ، فليس بغرور ، ولا لعب ، بل سرور وبهجة ، ومن طلبها لغيره واستعملها في غير ما أنشئت ، كان غرورا ولعبا ، على ما ذكر في قوله : (وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ) على ما يختارون هم ويحبونها ؛ وذلك أن الله تعالى أنشأ لنا هذه النعم ؛ حيث قال : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) [البقرة : ٢٩] ، وقال : (وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ) [الجاثية : ١٣] ، يجب أن ينظر إلى ذلك بالتعظيم لها والإجلال ، وليس الاستخفاف والهوان ؛ ألا ترى أن ملكا من ملوك الأرض لو أكرم أحدا بكرامة وأهداه بهدية ، ثم علم منه الاستخفاف بها ؛ فإنه يسلب منه هديته ويستحقره ؛ فعلى ذلك يجب أن نتلقى نعمة الله تعالى بالتعظيم والتبجيل والقبول الحسن ، لا على الاستخفاف بها والإهانة.
ثم الناس بعد هذا رجلان :
رجل يرغب في نعمة الدنيا وجمعها ، وجعلها عند الله ذخرا وزادا لوقت فقره وحاجته.
ورجل زهد فيها ؛ خوفا [من] التقصير في عبادة الله تعالى في حقوقه أن يشتغل بها ، ويمنعه ذلك عن أداء حقوقه والاقتداء برسول الله صلىاللهعليهوسلم ـ فيما أمره ، وله أسوة حسنة بنبيه صلىاللهعليهوسلم.
وأما من ترك الدنيا وما أنشأ الله تعالى فيها من النعم ؛ استخفافا بها وهوانا ، فهو الجاهل المستخف بنعم الله تعالى الغافل عما أنشئت له الدنيا [وما] فيها ، فهذا والذي
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
