إنشاؤها إلا للإفناء والإهلاك خاصة ، وبناء البناء المحكم للإفناء خاصة عبث وسفه ، ليس بحكمة ، وهو ما ذكر : (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً) [ص : ٢٧] ، ذلك ظن الذين كفروا ، وكان ظنهم أن لا بعث ولا حياة بعده ؛ فعلى ما كان ظنهم ، كان إنشاؤها لعبا ولهوا ، فأما الحياة الدنيا على ما هي عند أهل التوحيد حكمة وحق وصواب ، وعلى ما كان عند أهل الإلحاد ، فهي سفه وباطل ، وقد رد الله عليهم بقوله : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون : ١١٥].
وجائز أن يكون معنى قوله : (أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) ، أي : لو قوبلت بحياة الآخرة ، لكانت عبثا ولهوا ؛ لأن الدنيا بنيت على الفناء والانقطاع والزوال عن قريب ، والآخرة على الدوام والبقاء ، وهو ما ذكر : (قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى) [النساء : ٧٧] ؛ لأنها باقية ، والدنيا فانية.
أو يقول : إنما الحياة الدنيا للدنيا خاصة لعب ولهو ، أي : من جعل الحياة الدنيا للدنيا خاصة تكون لعبا ولهوا ، ومن جعل الحياة الدنيا زادا للآخرة وبلغة إليها ، فهي ليست بلعب ، وهو ما قال تعالى : (مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) [آل عمران : ١١٧] ، أخبر أن الإنفاق للدنيا كمثل ريح فيها صر ، [وقال] في النفقة التي تكون في الدنيا لحياة الآخرة : (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ ...) الآية [البقرة : ٢٦١] ، والله أعلم.
وقوله : (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ).
والإشكال : أنه كيف خص الكفار بعجبهم ظاهر ذلك النبات وقد يعجب النبات لأهل الإيمان؟ فنقول : لأن الكفار يعجبهم ظاهر ذلك النبات وما يرون من النزهة ، لا يرون إلى ما ضمن في ذلك النبات وجعل فيه من المنفعة في العاقبة لكن ينظرون إلى ظاهره ، وأما المؤمنون إنما يعجبهم ما في ذلك النبات من المنفعة في العاقبة ، وإلى ذلك يكون نظرهم لا إلى ظاهره ، وهو كما شبه إنفاق الكفرة بالريح التي فيها صر يصيب حرث قوم ؛ لما لا يقصدون بإنفاقهم سوى نفس الإنفاق ، وشبه نفقة أهل الإيمان بالحبة التي تنبت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ؛ لما كان مقصدهم في الإنفاق عاقبته ، لا عين الإنفاق.
ويحتمل أن يكون المراد من الكفار الزراع ، وبه فسر بعض أهل الأدب ؛ وهو كقوله : (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ...) [الفتح : ٢٩] فعلى هذا التأويل ، رجع إلى الكل ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ) ، أي : لهؤلاء الذين اتخذوا الدنيا لعبا ولهوا ، وصيروها تفاخرا وتكاثرا دون أن يتخذوها زادا وبلغة إلى الآخرة.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
