ولأهل الاعتزال أدنى تعلق بظاهر هذه الآية ؛ وذلك لأنهم يقولون : إن الله تعالى إذا ذكر المؤمنين على الإطلاق ، ذكر على أثر ذلك ما وعد لهم من الكرامات والثواب الجزيل ، وإذا ذكرهم مع جريمتهم ذكر الوعيد لهم ، يستدلون بذكر الوعيد على أثر ذلك على أنه قد خرج من الإيمان ، لكن ليس لهم بذلك دليل وإنما ذكر مقابل ما ذكر للمؤمنين من الكرامات للكفار الجحيم ، والله أعلم.
قوله تعالى : (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١) ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)(٢٤)
وقوله : (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ).
ففي ظاهر ما ذكر من هذه الآية ونحوها من الآيات لأهل الإلحاد طعن عظيم ؛ فإنهم يقولون : إن كانت الحياة الدنيا لعبا ولهوا ، فلم أنشأ الله تعالى لعبا ولهوا ولا منشئ سواه؟ فلهم موضع الطعن على هذا الوجه ، ولهم دعوى التناقض ـ أيضا ـ فيه ؛ لما ذكر في بعض الآيات ، فقال : (وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ) [الأنبياء : ١٦] ، وقال : (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً) [ص : ٢٧] ، وقال في هذه الآية وغيرها : (أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ).
فنقول : إن الآية تخرج على وجوه :
أحدها : على التقديم والتأخير مع الإضمار : كأنه قال : اعلموا أن مثل الحياة الدنيا وزينتها وتفاخرها وتكاثرها ولعبها ولهوها ، أي : يتزينون بها ويتفاخرون بالأولاد والأموال ، ويتلهون بها ويلعبون ـ كمثل الغيث أعجب الكفار نباته ، ثم يصير ما ذكر حتى لا ينتفع به ؛ فعلى ذلك حياة الدنيا ، والله أعلم.
والثاني : إنما الحياة الدنيا على ما هي عندكم ، وعلى ما اتخذتموها ، وعلى ما ظننتم : أنه لا بعث ولا حياة بعده ـ كان إنشاؤها عبثا ولهوا ـ إذ لو كان على ما ظنوا لم يكن
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
