ومن خففه ، جعلهما من التصديق والإيمان.
وقوله : (وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ).
قد ذكرنا تأويله فيما تقدم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ) ، سمى المؤمنين : صديقين ، والصديق لا يقال إلا لمن يكثر منه التصديق ، وقد يكثر من كل مؤمن التصديق وإن كان ما يأتي به إنما هو شيء واحد نحو إذا صدق الله ـ صدق رسله فيما أخبروا عن الله تعالى وفيما دعوهم إلى ما دعوا ، وبلغوا عن الله إلى الناس ، وصدق الخلائق جميعا فيما شهدوا على وحدانية الله تعالى وألوهيته من حيث شهادة الخلقة وشهادة الأخبار في حق المؤمنين ، فتصديقه يكثر ، وإن كان الكلام في نفسه يقل ، وهو كما قلنا لأبي حنيفة ـ رحمهالله ـ في جواز الخطبة بتسبيحة أو تهليلة : إنها كلمة وجيزة ، لو فسرت وبسطت ، صارت خطبة طويلة ، والله أعلم.
فإن قيل : إن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ فضل باسم الصديق على غيره من الأمة ، فإذا استحق غيره من المؤمنين هذا الاسم لم يختص هو بتلك الفضيلة؟
قيل : إن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ سمي : صديقا وخص به من بين سائر الصحابة والمؤمنين ؛ لمعنى اختص به من بينهم ، وغيره من المؤمنين سموا : صديقين من بين سائر أهل الأرض جميعا إلا في مقابلته ، كهو اختص بهذا الاسم من بين سائرهم إلا في مقابلة النبي وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، هذا هو معنى تفضيله ، والفضل عند المقابلة يكون.
ويحتمل أن يكون ذلك الاختصاص له للاعتقاد والمعاملة جميعا وسائر المؤمنين سموا : صديقين ؛ للاعتقاد خاصة ، ومن وفى الأمرين جميعا كان أفضل ممن وفى أمرا واحدا.
وقوله : (وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ) من الناس.
من جعل قوله : (وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ) على الابتداء مقطوعا من قوله : (أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ) ، ومنهم من وصله به :
فمن قطع عنه ؛ فإنه يقول : الشهداء هم الرسل ؛ لقوله تعالى : (فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً) [النساء : ٤١] ، ثم أخبر أن لهم أجرهم.
ومن قال إنه موصول ذهب إلى أن المؤمنين شهداء على الناس ؛ كقوله : (لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ...) الآية [البقرة : ١٤٣] ، سماهم : شهداء على غيرهم من الأمم ، والله أعلم.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
