والثاني : أخذ الميثاق ما جعل في خلقة كل أحد من شهادة الوحدانية له.
والثالث : عهد إليهم ؛ حيث ركب فيهم العقول والأفهام ، وجعلهم بحيث يميزون ما لهم مما عليهم ، فيما لا يحتمل إهمال مثلهم وتركهم سدى.
ويحتمل ما ذكر بعض أهل التأويل من إخراجهم من صلب آدم ـ عليهالسلام ـ ، والوجوه الأول أقرب.
وجائز أن يكون قوله : (وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ) في أهل الكتاب الذين كانوا مؤمنين بالله ورسوله محمد صلىاللهعليهوسلم قبل أن يبعث ، فلما بعث كفروا به ؛ يقول ـ والله أعلم ـ : ما لكم لا تؤمنون بالله والرسول الذي كنتم مؤمنين به؟!
ويحتمل أن تكون الآية في أهل النفاق الذين كانوا يظهرون الإيمان به ، ولا يحققونه ؛ يقول : ما لكم لا تحققون الإيمان بالله والرسول يدعوكم لتحققوا الإيمان بربكم؟ وهو كقوله : (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ) [آل عمران : ١٠١] أي : لا عذر لكم في الكفر بالله ورسوله ، وترك الإيمان بهما ، فعلى ذلك الأول ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) بالآيات والحجج.
أو يذكر هذا لا على الشرط ؛ بل على التأكيد ؛ كقوله تعالى : (وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) [البقرة : ٢٢٨] ، لأنهن إذا كن أذعن الإيمان ، لم يحل لهن أيضا كتمان ما في أرحامهن.
وقوله ـ عزوجل ـ : (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ) الآيات في الحقيقة : هي الأعلام ، لكن فسرت الآيات بالحجج ؛ لأن الآيات حجج من عند الله تعالى جاءت ، لا أنها مفتعلات من الخلق.
وقوله : (بَيِّناتٍ) : واضحات أنها من عند الله جاءت ، لا من عند الخلق ، أو بينات أمره ونهيه ، وما لهم وما عليهم ، وما يؤتى وما يتقى.
وقوله ـ عزوجل ـ : (لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) ما أضيف إلى الله تعالى من الإخراج ، فهو على وجهين :
أحدهما : على حقيقة الإخراج ، وهو أن يوفقهم إلى الإيمان ، ويعطيهم المعونة والعصمة ؛ فيخرجون مما ذكر من الكفر إلى الإيمان.
والثاني : يخرج على الأمر به ، والدعاء إلى الإيمان ، ليس على حقيقة الإخراج ، وهو كقوله : (لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) في هذه الآية ، ونظير حقيقة الإخراج قوله : (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) [البقرة : ٢٥٧] ، وعلى هذا يخرج إضافة
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
