شيء ، وأن له الخلق والأمر ، والإيمان برسوله : هو أن صدقه في كل ما يخبر عن الله تعالى وفي كل قول وفعل ، وأنه صادق ، وأنه محق ، وتعلم أنه بأمر الله تعالى ونهيه يأمر وينهى ويفعل لا من ذات نفسه ؛ هذا هو الإيمان بالله تعالى ورسوله صلىاللهعليهوسلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) يقول ـ والله أعلم ـ : وأنفقوا من المال الذي جعلكم فيه خلفاء من تقدمكم ؛ لأن الناس يخلف بعضهم بعضا في هذه الأموال ؛ كأنه يقول : أنفقوا من المال الذي جعلكم خلفاء من تقدمكم قبل أن يخلفكم من بعدكم ؛ كما ترك الإنفاق من تقدمكم ؛ إذ هي إنما أنشئت للإنفاق والانتفاع بها ، لا للترك كما هي ، والله أعلم.
ثم أخبر تعالى بقوله : (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) أن من كان أمر به وأنفق ، فله أجر كبير : ما أوعد لهم من الأجر على جهة الإنعام منه والإفضال ، دون الاستحقاق ؛ إذ المال ماله ، وهم عبيده ، ولا يلزم للعبد أجر على سيده ، والله الموفق.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ) في ظاهره متناقض ؛ لأنه يقول : (وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ) ، ولو كانوا لا يؤمنون بالله كيف يقرون بالله وبالرسول ، ويصدقونه : أنه رسول الله ؛ إذ التصديق بالرسول تصديق بالمرسل ، وهم لا يؤمنون بالله ، فكيف يصدقون الرسول؟ لكنه يخرج على وجهين :
أحدهما : أي : ما لكم لا تؤمنون بالله؟ أي : بقدرة الله على بعثكم وإحيائكم بعد موتكم قد أتاكم ودعاكم بما تبين لكم من قدرته وسلطانه على البعث ، فما لكم لا تؤمنون بقدرته؟ على هذا جائز أن يخرج ؛ لأن أهل مكة كانوا أصنافا : منهم من يذهب مذهب الدهر ، ومنهم من يذهب مذهب الشرك ، ومنهم من يقر بالتوحيد وينكر البعث ، والله أعلم.
والثاني يقول : أي : عذر لكم في ترك الإيمان بالله تعالى والرسول دعاكم ، وقد أتاكم من الآيات والحجج ما يدفع عنكم العذر ، ويزيح عنكم الشبه؟ فأي عذر لكم من ترككم الإيمان به؟ فما لكم لا تؤمنون؟
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ) قد ذكرنا فيما تقدم أن أخذ الميثاق من الله تعالى يخرج على وجوه :
أحدها : على ألسن الرسل ـ عليهمالسلام ـ كقوله تعالى : (وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي ...) [المائدة : ١٢] إلى آخر ما ذكر ، وغير ذلك من أمثاله.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
