الحرف الآخر وينفيه في الشاهد ، فإنما ذكر هذه الأحرف لنفسه ؛ ليعلم ألا يفهم من أوليته أولية الأشياء ، ولا يفهم من آخريته ما يفهم من آخرية الأشياء ، وكذلك ما ذكر من ظاهريته وباطنيته ، وهذا كما ذكر : أنه عظيم ولطيف ، وكل واحد منهما في الشاهد مما يناقض الآخر وينفيه : ما عظم ينفي ويناقض ما لطف ؛ لئلا يفهم من عظمة ما يفهم من عظمة غيره ، ولا من لطافته [ما يفهم] من لطافة غيره ، والله الموفق.
وقال بعضهم : الأول : الذي لا ابتداء له ، والآخر : الذي لا انتهاء له ، والظاهر : هو الغالب القاهر ، الذي لا يغلبه شيء ، والباطن : الذي لا تدركه الأوهام.
وقال بعضهم : هو الأول الذي له أولية الأشياء ، والآخر الذي له آخرية الأشياء ، والظاهر بالحجج والآيات ، والباطن الذي لا تدركه الأوهام ، والله الموفق.
وقوله ـ عزوجل ـ : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) كأن خلق ما ذكر من السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام : الستة الأيام التي تدور عليها أيام الدنيا ، وهي أيام حكمة ، فإنما خلق في هذه الأيام كيان الأشياء وأصولها ، لا أنه خلق كلية الأشياء فيها ، وما يكون أبد الآبدين ، فعلى هذا التأويل يكون قوله : (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) أي : استوى أمره ، فخلق الممتحن ، وهم البشر ؛ إذ المقصود بخلق هذه الأشياء كلها البشر ، ولهم إنشاء هذه الأشياء.
وإن كان المراد من قوله : (خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) أيام الدنيا الذي يكون اليوم مقداره ألف سنة ؛ على ما ذكره في آية أخرى ؛ فيكون ما ذكره من خلق السموات والأرض وما بينهما خلق أصول الأشياء وكيانها وما يتولد منها ، بل يقع ذلك على الكل ، فيكون على هذا تأويل قوله : (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) البعث ؛ أي : استوى خلق ما خلق وأنشأ من العالم بالبعث ما لو لا ذلك البعث لم يكن إنشاء هذا العالم الأول حكمة ؛ فالمقصود من إنشاء هذا العالم البعث ، وله يصير إنشاؤه حكمة ، فيكون به استواء الأمر.
ثم تأويل العرش : يحتمل الملك ؛ استوى ملكه بخلق الممتحن أو بالبعث الذي ذكرنا ، ولا نفسر أنه ما أراد بقوله : (اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) ؛ لأنه لا يعلم ما أراد به ، إذ قال في ذلك : (فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً) [الفرقان : ٥٩] أمر أن يسأل به خبيرا ، ولم يرد بذلك : أنه يسأل به عنه ؛ فلا يسمع تفسيره ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها) ، أي : كثرة ذلك وازدحامه ، لا يلتبس عليه ولا يستر عنه شيء.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
