والثاني : يخبر أن السماء والأرض مع ثقلهما وكثافتهما لا يستران ولا يحجبان عليه الوالج فيهما ، والخارج منهما والنازل منهما ، والإحاطة بذلك ؛ ليعلم أن لا شيء يحجب عنه ، ولا يخفى عليه شيء ، ولا يعجزه شيء ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ) هذا الحرف يخرج على وجهين :
أحدهما : (وَهُوَ مَعَكُمْ) : أي : عالم بكم وبأفعالكم ، ومحيط بكم ، وحافظ عليكم.
والثاني : (وَهُوَ مَعَكُمْ) يتوجه المعنى فيه لاختلاف الأحوال ؛ يقول : إن كنتم محبين له ، خاضعين مطيعين ، فهو معكم بالنصر لكم والمعونة على أعدائكم ، وإن كنتم معرضين عنه معاندين فهو معكم بالمعونة عليكم ، والانتقام منكم ، والله أعلم.
وقوله : (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) قال أهل التأويل : أي : علمه وسلطانه وقدرته معكم أينما كنتم ، وأصله ما ذكرنا فيما تقدم : أنه إذا ذكر ـ جل وعلا ـ بلا ذكر الخلق معه ، ولا ضم أحد إليه سواه ، يوصف بالأزل ، فيقال : لم يزل عالما قادرا خالقا ، بلا ذكر وقت ، ولا حد ولا شيء من المكان وغيره ، وإذا ذكر معه شيء من الخلق يذكر على ما عليه هذا الخلق من الوقت والمكان والأحوال للخلق دون الله تعالى ، فيقال : لم يزل عالما للخلق وقت كونهم ، لم يزل خالقا للعالم وقت كونه ؛ حتى لا يتوهم قدم المخلوق ، وعلى ذلك قوله تعالى : (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) الآية [محمد : ٣١] ، (لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ) [المائدة : ٩٤] وقوله تعالى : (وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) [الحديد : ٢٥] ، وقوله : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ ...) الآية [البقرة : ١٥٥] ، وقوله تعالى : (وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ) [العنكبوت : ١١] ، ونحوها مما كثر ذكره كذلك على ما عليه أحوال الخلق ، فعلى هذا قوله : (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ) ، ولا قوة إلا بالله.
وقوله ـ عزوجل ـ : (لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ، الملك إنما ينسب بحق نفاذ المشيئة والأمر والولاية ، فجائز أن يكون قوله : (مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ، أي : له نفاذ المشيئة ، وله الولاية في السموات والأرض ، وعلى أهلهما ، وله السلطان عليهم ، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله : (مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ، أي : له خزائن السموات والأرض ، يعطى من يشاء ، ويحرم من يشاء ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) أي : إلى الله يرجع تدبير الأمور من إحداث وتكوين وإعطاء وبذل ومنع وحرمان ، ليس تدبير ذلك إلى الخلق ، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله : (وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) ، أي إلى الله ترجع أمور الممتحنين في الآخرة من الحساب والسؤال ، والثواب والعقاب وغير ذلك ، والله أعلم.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
