واجعلوها بأنفسكم حتى تكون النشأة الأولى حكمة ؛ إذ لم تملكوا رد هذه الأرواح إلى الأنفس ، أو اجعلوا النشأة الأولى حكمة ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ* فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ...) إلى آخره ، اختلف في وقت ما ذكر [و] لمن ذكر ذلك؟ قال بعضهم : إن ذلك يقال لهم عند الموت ؛ بشارة لهم بما يكون لهم في الجنة.
ومنهم من يقول : إنما يقال ذلك إذا دخل هؤلاء الجنة ، وأولئك النار ؛ أعني : الكافرين ، وهو ما ذكر ، (وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ. فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ. وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ. إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ).
وجائز أن يكون يقال ذلك لهم عند رسول الله صلىاللهعليهوسلم في الجنة ، وصفا لرسول الله صلىاللهعليهوسلم عنده في الجنة ، ومكانهم لديه ، على ما كانوا عنده في الدنيا السابقين كانوا في الدنيا المقربين عنده ، ومكانهم لديه أقرب من مكان غيرهم من المؤمنين ؛ فعلى ذلك يخبر أن السابقين في الإجابة يكونون في الآخرة عنده أقرب ، ويكون قوله : (فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ) أي : يستأنس هو بهم ويستأنسون به ، لا يفارقونه ولا يفارقهم ، على ما كانوا في الدنيا ، وسائر المؤمنين يسلمون عليه في أوقات ، وهو ما ذكر : و (فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ) على ما كانوا يفعلون في الدنيا ، وهو أقرب من الوجهين اللذين ذكرناهما.
ويحتمل ما ذكروا من البشارة عند الموت ـ أعني للمؤمنين والكافرين ـ في حق المؤمنين : (فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ) ، (وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ ...) كذا ، وفي حق الكفرة : (وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ. فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ...) الآية.
ويحتمل [ما] ذكر بعضهم : أن ذلك يقال لهم بعد ما دخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ) اختلف في تأويله وتلاوته :
أما تلاوته : روي عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : كان رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقرأ هذا الحرف (فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ) تعني : بضم الراء.
وعن الحسن : أنه قرأها بالضم (١) أيضا.
وعن الضحاك : بفتح الراء ، [و] عليه جميع القراء.
وقال أبو عبيد : لو لا كراهة خلاف الأمة ، وإلا ما قرأتها إلا بالضم ، ولكن لا أجد أحدا عليها ، فأستوحش من مفارقة الناس ، ولا يجمع الله تعالى أمة محمد صلىاللهعليهوسلم على الضلالة.
__________________
(١) أخرجه عبد بن حميد عن عوف عنه ، كما في الدر المنثور (٦ / ٢٣٩).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
