الماضية ، (وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) أي : من هذه الأمة ، وهكذا يكون عدد أهل الإيمان من هذه الأمة مع الأمم الماضية يكون هؤلاء أقل منهم.
ويحتمل ـ أيضا ـ أن السابقين المقربين من الأمم السابقة أكثر من السابقين المقربين من هذه الأمة ؛ لأن الأنبياء ـ عليهمالسلام ـ كلهم من الأمم السالفة.
وقال أهل التأويل لما نزلت : (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) ، وجد أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم وجدا شديدا ، وقالوا : لن يدخل الجنة منا إلا قليل ؛ فنزل قوله تعالى : (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) [الواقعة : ٣٩ ، ٤٠](١).
لكن هذا لا يحتمل ؛ لأنه خبر ، ولا يرد في الأخبار نسخ ، وما قالوه لا يصح ، والوجه فيه ما ذكرنا.
ويحتمل قوله تعالى : (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ* وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) [الواقعة : ٣٩ ، ٤٠] هم أصحاب اليمين من الأولين والآخرين ، وهم جماعة كثيرة من الأولين ، وجماعة كثيرة من الآخرين في المقربين خاصة ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ) ، وقال في آية أخرى : (عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ) [الطور : ٢٠] ، والسرر قد تكون في الدنيا مصفوفة ، ولكن لا تكون موضونة ؛ أي : منسوجة ؛ والوضن ـ هو النسج ـ لا يكون بين السرر في الآخرة انفصال ولا فروج ، كما يكون في الدنيا ، لكن موصولة بعضها ببعض.
وقوله ـ عزوجل ـ : (مُتَّكِئِينَ عَلَيْها) ، أي : على السرر التي ذكر أنها مصفوفة موضونة.
وقوله : (مُتَقابِلِينَ) ، أي : يقابل [بعضهم] بعضا ، ولا يعرضون ، ولا ينظر بعضهم إلى بعض باحتقار كما يجعل أهل المجالس في الدنيا يعرض بعضهم عن بعض ويحقر بعضهم بعضا يخبر أنهم يكونون في الآخرة خلاف ما في الدنيا ، لا يتأذى بعض من بعض بوجه ما.
وقوله ـ عزوجل ـ : (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ) فيه أنهم يعطون في الجنة ما يستحبون في الدنيا من الشرف وطواف الولدان ، وكذلك ما ذكر من السرر والفرش ، وغير ذلك من أنواع ما ترغب أنفسهم فيه.
ثم ذكر أنهم ولدان ، وإن لم يكن في الجنة ولاد ؛ فهو يخرج على وجهين :
أحدهما : أن يكونوا على هيئة الولدان وإن لم يولدوا.
__________________
(١) أخرجه أحمد وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ، كما في الدر المنثور (٦ / ٢١٨).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
