وجائز أن يكون الخطاب بهذه الآية لهذه الأمة : ففيهم السابقون ، وفيهم أصحاب اليمين ، وهم أصحاب النظر في الحجج والآيات والتأمل فيها [وفيهم] أصحاب الشمال ، وهم الكفرة.
وقوله تعالى : (فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ) على التعجب لرسول الله صلىاللهعليهوسلم بما يكرمهم ، أو على التعظيم لأولئك لعظم منزلتهم.
وكذلك قوله : (وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ) يخرج على هذين الوجهين : على التعجب والتعظيم لما يحل بهم.
وقوله : (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) يخرج على هذا أيضا : فلان ما أمر فلان ، فيقال : فلان فلان ؛ على تعظيم أمره وشأنه.
ثم في قوله تعالى : (وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً) [دليل] لقول أصحابنا ـ رحمهمالله ـ في جعلهم الكفر كله ملة واحدة ؛ لأنه جعل الله تعالى الكفرة على اختلاف مذاهبهم وأديانهم زوجا ، وأهل الإسلام زوجين ، حيث جعل الكل أزواجا ثلاثة ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) يحتمل أن يكون وصف القرب لهم لمسابقتهم في الخيرات في الدنيا.
ويحتمل : أنهم مقربون في الآخرة والمنزلة ، لسبقهم في الخيرات ، أو : في الإجابة ، والسبق فعلهم ، والتقريب بلطف من الله تعالى وفضل منه ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) جميع الجنات نعيم ؛ لأن فيها نعيما ، وله أن يسمى واحدة منها : نعيما ، والأخرى : عدنا ، والفردوس والمأوى ، يسمى ما شاء بما شاء وكيف شاء.
وقوله ـ عزوجل ـ : (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) اختلف في ذلك : قال بعضهم : (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ) ممن شهد رسول الله ، وقربوا منه ، (وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) ممن بعد من هذه الأمة من رسول الله صلىاللهعليهوسلم بنفسه وإدراك زمانه ، وقليل من المقربين من الآخرين ، وهو ما روي عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم» (١) ، وعلى ذلك قوله تعالى : (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ) [الحديد : ١٠] على ما يذكر ، والله أعلم.
ومنهم من قال : (مِنَ الْأَوَّلِينَ) ، أي : جماعة من المؤمنين الذين كانوا في الأمم
__________________
(١) أخرجه البخاري (٧ / ٣) كتاب فضائل أصحاب النبي صلىاللهعليهوسلم : باب فضائل أصحاب النبي صلىاللهعليهوسلم (٣٦٥١) ، ومسلم (٤ / ١٩٦٣) كتاب فضائل الصحابة : باب فضائل الصحابة (٢١٢ / ٢٥٣٣).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
