وقال مقاتل : ذلك في الجنتين اللتين جعلهما لأصحاب اليمين مدهامتين ، والمدهم : هو الذي تضرب خضرته ـ لشدته ـ إلى السواد ، وهو دون الأول في الوصف ؛ إذ لم يصفهما إلا بصفة واحدة ، ووصف تينك الجنتين بالفنون ، وقال في تينك : (فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ) ، وقال أصحاب اليمين : (فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ) [الرحمن : ٦٦] ، والناضخ : هو الذي لا يتبين جريانه ، ووصف تينك بالجريان ، والنضخ دون الجريان.
وقال القتبي : (نَضَّاخَتانِ) [الرحمن : ٦٦] اللتان تفوران بالماء ، والنضح دون النضخ ، وهو الرش ، وقال في جنتي السابقين : (فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ) أي : صنفان ، أو لونان ، [من] أي شيء كان ، وقال في [جنتي] أصحاب اليمين : (فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) [الرحمن : ٦٨] ذكر أشياء معدودة ، وغمر الأشياء في تينك ؛ حيث قال : (مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ) لتفضيل أولئك على هؤلاء.
وجائز أن يذكر في كل واحدة منهما حكمة على حدة : قوله : (ذَواتا أَفْنانٍ) ما ذكرنا أن فيهما من كل فن وكل نوع ، و [قوله : (فِيهِما عَيْنانِ)] إحدى العينين هي العين المعروفة الموعودة ، والأخرى التي لا يعرفون ولا يوعدون ، وقوله ـ عزوجل ـ : (فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ) أي : صنفان ولونان على غير تغير الطعم ، ولا فساد يدخل في ذلك ؛ لأن تغير اللون في الدنيا لا يكون للفواكه إلا بعد دخول فساد فيها ، فيخبر أن تغير لونه لا لفساد يدخل في ذلك ، والله أعلم.
وقال بعضهم : إنما ذكر الزوجين من الفواكه ؛ لما أن قلوب البشر قد خطرت بأحد الزوجين وتمنته أنفسهم ، والزوج الآخر هو لطف الله تعالى على عباده ؛ فضلا منه إليهم من غير أن يخطر على بالهم ، ولا وقعت عليه أبصارهم ، ولا انتهت إليه آمالهم ؛ إكراما لهم بها وامتنانا.
وقال بعضهم : ليس المراد في هذه الآيات تبيين ما لأهل الجنة ، ولكن فيه تبيان فضل السابقين على أصحاب اليمين : أن أولئك يعطون من الفضل ضعفي ما أعطي هؤلاء ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ) قال الفراء : يجوز أن تكون البطانة والظهارة جميعا من شيء واحد ، ومن جهة واحدة ، لكن سمي الجهة التي تلي أجسادهم بطانة ، والأخرى : ظهارة ، كالسماء ؛ أن الجهة التي تلي الملائكة هي بطانتهم ، وظهارتنا ، وما تلينا ظهارتهم وبطانتنا ، وكل شيء يلي إنسانا فهي بطانة ، والجانب الذي لا يليه ظهارة ، يقال : هذا ظهر السماء ، للجانب الذي نراه ، والآخر : بطن السماء ، والله
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
