فجنة العدن وجنة النعيم للمقربين والشهداء والصديقين ، والجنتان الأخريان لمن دونهم من المؤمنين الذين هم أصحاب اليمين.
وجائز أن يخرج على وجهين :
أحدهما : أن يكون بصره إذا نظر يمينا وشمالا لا يقع إلا على جنته ، لا يقع على جنة غيره ، وكذلك إذا نظر من الأعلى أو من الأسفل يقع بصره على ملكه ، لا يقع على ملك غيره ، فليس ذلك على تحقيق إخبارا عن عدد الجنتين ، ولكن إخبارا أن بصره حيث [يقع] لا يقع إلا على ملكه وجنته ، والله أعلم.
والثاني : يكون له جنتان : إحدى الجنتين ؛ لترك المساوئ ، والأخرى ؛ لإتيان المحاسن.
وذكر القتبي عن الفراء في قوله : (وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ) قال : قد تسمي العرب الشيء الواحد باسم الاثنين إذا كان رءوس الآي ومقاطعها ؛ لتحقيق الموافقة في المقاطع ؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ذكر (جَنَّتانِ) ، لموافقة مقاطع الآي ، والمراد منه جنة واحدة.
لكن القتبي أنكر عليه ذلك ، وذلك إنما يقال إذا انقطع الكلام ، فأما إذا كان الكلام غير منقطع ؛ فإنه لا يقال ذلك ، والله أعلم.
ثم سمى البعث : مقاما بين يدي ربه ، وسماه : رجوعا إليه ، ومصيرا ، وبروزا ، فهو على وجهين :
أحدهما : أنه سماه بما ذكر ؛ لأن البعث هو نهاية هذ العالم.
والثاني : سماه بذلك ؛ لأن لكل أحد يظهر في ذلك اليوم : أن الأمر لله تعالى ، وأن التدبير له في الدنيا والآخرة ، وأن لا تدبير لأحد سواه ؛ كقوله ـ عزوجل ـ : (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر : ١٦].
ثم جائز أن يكون ما ذكر من الجنتين للسابقين والشهداء على ما ذكره بعض أهل التأويل ، وما ذكر من قوله : (وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ) [الرحمن : ٦٢] لأصحاب اليمين.
ثم نعت ووصف ما جعل لكل فريق ؛ فأما نعت ما جعل للسابقين والصديقين والشهداء ما ذكر ؛ حيث قال : (ذَواتا أَفْنانٍ) ، قال عامة أهل التأويل (١) : ذواتا أغصان ، ولكن ليس في هذا كثير حكمة ، لكن يحتمل أن قوله : (ذَواتا أَفْنانٍ) من الفنون ، أي : فيهما من كل فن وكل نوع.
__________________
(١) قاله مجاهد ، أخرجه ابن جرير عنه (٣٣١٠٠).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
