فإن قيل : إنه قد ذكر في أول الآيات : الآلاء والنعم ، فقرن بآخرها : (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) ، وقد انقطع ذكر الآلاء هاهنا ، ونذكر المواعيد في هذه الآيات ، فما فائدة قران قوله : (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) بآخرها.
قيل : إن في الوعد ترغيبا ، وفي الوعيد ترهيبا ؛ فيرغب في الوعد ، ويخاف ويرهب من الوعيد ؛ فيرتدع ويمتنع عما يوعد ؛ فيكون في ذلك نعمة عظيمة ؛ إذ بالوعد والوعيد تتم المحنة ، وبالمحنة تتم النعمة ؛ لذلك ذكر على إثر الوعيد : (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ).
قوله تعالى : (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ)(٤٥)
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ) يذكر تغير هذا العالم يومئذ لهول ذلك اليوم ، وهو كما ذكر من تبديل السماء والأرض ؛ حيث قال : (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ) [إبراهيم : ٤٨] ، وقوله : (يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) [الأنبياء : ١٠٤] في غير ذلك من الآيات ، وكذلك ما ذكر من تغيير الجبال من قوله : (هَباءً مَنْثُوراً) [الفرقان : ٢٣] ، وقوله : (كَثِيباً مَهِيلاً) [المزمل : ١٤] ، وقوله : (كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ) [القارعة : ٥] ، ونحو ذلك.
ثم قوله تعالى : (فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ) منهم من قال : شبه السماء ؛ لكثرة تلونها بفرش الورد يكون في الربيع بلون ، ثم يصير إلى لون آخر ، ثم إلى آخر ؛ فعلى ذلك ما ذكر من تغيير السماء وتلونها.
ومنهم من قال : شبهها بالدهان ، وهو الدهن ؛ للينها وضعفها ، وهو قد ذكر في آية أخرى : (يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ) [المعارج : ٨] ، والمهل : هو دردي الزيت ، لكن التشبيه بالمهل إنما يكون ؛ لكثرة التلون لا للين ؛ فيكون في هذا التأويل نوع وهاء ، والله أعلم.
وقيل : إنما تحمر وتذوب كالدهن.
وروي : أن سماء الدنيا من حديد ، فإذا كان يوم القيامة ، صارت من الخضرة إلى الاحمرار ، وحر جهنم كالحديد إذا حمي بالنار.
ثم قال بعضهم (١) : الدهان : جمع الدهن ، ويقال : الدهان : الأديم الأحمر ، والله أعلم.
__________________
(١) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير عنه ، كما في الدر المنثور (٦ / ١٩٩).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
