وقوله ـ عزوجل ـ : (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌ) ، اختلف في تأويله :
قال بعضهم : أي : لا يسأل إنسي ولا جني عن ذنب غيره ، إنما يسأل عن ذنب نفسه ؛ نحو ألا يسأل من أضل غيره عن ضلال ذلك الغير ، إنما يسأل الذي أضله عن إضلاله ، ويسأل الضال عن ضلاله كقوله : (رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا ...) الآية [فصلت : ٢٩].
ومنهم من قال : لا يسأل بعض عن بعض ، أي : لا يسأل جني عن ذنب إنسي ، ولا إنسي عن ذنب جني.
ومنهم من قال : لا يسألون سؤال استخبار واستفهام ؛ أي : لما ذا فعلتم؟ ولكن يسألون لم فعلتم يطلبون عن الحجة ، لا عن نفس الفعل ؛ لأن كل ذي مذهب ودين ، إنما يفعل لحجة تكون له.
ومنهم من قال : لا يسألون عن ذنوبهم ، ولكن يسألون عما في وجوههم من الأعلام من الاسوداد ، وزرق العيون ، وغير ذلك مما ذكر في الكتاب : أنها تكون للكفار ، كقوله تعالى : (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ) [عبس : ٤٠] ، وقوله تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ ...) الآية [آل عمران : ١٠٦] ، وما ذكر من أعلام المؤمنين من قوله : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) [القيامة : ٢٢ ، ٢٣] ، وقوله تعالى : (ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ) [آل عمران : ١٠٧].
وقال بعضهم (١) : لا يسأل الملائكة عن المجرمين ؛ لأنهم يعرفون بسيماهم كقوله ـ عزوجل ـ : (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ) ذكر الله تعالى في كتابه للمجرمين أعلاما يعرفون في الآخرة بها على ما ذكرنا من اسوداد الوجوه ؛ كقوله : (قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ. أَبْصارُها خاشِعَةٌ) [النازعات : ٨ ، ٩] ، وقوله : (نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها) [النساء : ٤٧] ، أي : على أعقابها ، فهو ـ والله أعلم ـ تكون وجوههم في بعض الأحوال خاشعة ، ثم غبرة ، ثم مسودة ، ثم تطمس من نظر ذلك ، فنعوذ بالله من تلك الأحوال التي ذكر.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ) ، قيل (٢) : بكسر أضلاعهم وظهورهم ، فتجمع أقدامهم ونواصيهم ، فيرمى بهم في النار.
وقال بعضهم (٣) : تغل أيديهم إلى أعناقهم ، ثم تجمع به نواصيهم وأقدامهم ، ثم
__________________
(١) قاله مجاهد ، أخرجه ابن جرير (٣٣٠٦١) وآدم وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الشعب عنه ، كما في الدر المنثور (٦ / ٢٠٠).
(٢) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عنه ، كما في الدر المنثور (٦ / ٢٠٠).
(٣) انظر : تفسير ابن جرير (١١ / ٦٠٠).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
