وعندنا أن الفراغ : هو اسم لانقضاء الفعل وتمامه ، لا للفراغ عن الشغل ، يقال : فلان فرغ من شغله : إذا فرغ [، وفرغ] من بناء داره ، إذا أتمه وانقضى ذلك ؛ ألا ترى أنه وإن فرغ من شغل تلك الدار وذلك العمل ، فهو مشغول بغيره ، دل أنه ليس باسم للفراغ من الشغل ؛ إذ لو كان اسما للفراغ من الشغل لا يوصف به وهو مشغول بغيره ؛ دل أنه اسم التمام والانقضاء ، لكن فهم الخلق بعضهم من بعض الفراغ من الشغل ؛ لما أن فعلهم للشيء لا يلتئم إلا بالشغل في ذلك ؛ فيفهم ذلك من فعلهم ، فأما الله ـ سبحانه وتعالى ـ حيث لا يشغله فعل عن فعل ، ولا شيء عن شيء ، لم يجز أن يفهم من فراغه من الشغل فراغه ، فبالله العصمة والتوفيق.
وقوله ـ عزوجل ـ : (يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ) ، له تأويلان :
أحدهما : كأنه يقول : لو مكن لكم النفاذ من أقطار السموات والأرض ونواصيها ، فتنفذون فتجدون هنالك ، وترون من آيات من كذب بالرسل وما حل بهم بالتكذيب.
ثم قال : (لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ) أي : لا تنفذون لو مكن لكم من النفاذ إلا وتجدون حجج من أهلك منهم ظاهرة أنه بم أهلكهم؟ وهو كقوله تعالى : (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) [آل عمران : ١٣٧] أمرهم بالسير في الأرض والتدبر في آثار من أهلك بما ذا أهلك من أهلك منهم؟ وبما ذا نجا من نجا؟ والله أعلم.
والثاني : على الإعجاز ، أي : لا تستطيعون أن تخرجوا أو تنفذوا من أقطار السموات والأرض ، ولو مكن لكم من النفاذ والخروج منها لوجدتم ثمّ سلطاني وحجتي وملكي هنالك قائما ، أي : لا تقدرون [على] الخروج من سلطاني وملكي حيثما كنتم ؛ بل حيثما سرتم كنتم في سلطاني وملكي ؛ فلا تتخلصون من الموت والهلاك ، وهو كقوله تعالى : (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ ...) الآية [الأنعام : ٣٥].
وقال الضحاك : في حرف ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ : يا معشر الجن والإنس قد جاء أجلكم فانفذوا من أقطارهما لا تنفذوا إلا بسلطان ، يعني : أنه لا يجيركم أحد من الموت وأنتم ميتون ؛ أي : لا تأتون قطرا من أقطار السموات والأرض إلا وجدوا هنالك سلطان الله وملائكته ؛ يقول : لا تستطيعون فرارا من الموت ولا محيصا ، وإن نفذتم من أقطار السموات والأرض فلم تخرجوا من سلطاني وأنا آخذكم بالموت حيث كنتم ، وهو كقوله : (يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) [النساء : ٧٨].
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
