المفزع في الأحوال كلها ، وللخلائق كلهم ، ومنه يسألون الرزق والنجاة ، وهو ما ذكر : (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ...) الآية [الأنعام : ٦٣] ، وقوله ـ عزوجل ـ (قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ) [الأنعام : ٦٤] وقوله : (وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ) [الزمر : ٨] ، وقوله تعالى : (وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ) [النحل : ٥٣] هنا صلة قوله : (كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ. وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ) يقول ـ والله أعلم ـ : شأنه وأمره باق دائم أبدا ، وذهاب الخلق لا يدخل نقصا في شأنه وأمره ، ولا وهنا في سلطانه وملكه ؛ بل هو في شأنه وأمره عند فنائهم كهو في حال بقائهم.
وجائز أن يكون ما قال بعض أهل التأويل : إن اليهود قالت : إن الله تعالى استراح يوم السبت لا يقضي بشيء ، ولا يحكم ولا يأمر ، ولا يفعل فعلا ؛ فنزلت الآية عند ذلك (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) من إحداث وإفناء ، وإحياء وإماتة.
وأصله : أن الله تعالى إذا وصف بشيء يوصف بالأزل ، يقال : عالم لم يزل ، قادر لم يزل ، رازق بذاته لم يزل ، وإذا ذكر بأمر وتدبير مضاف إلى الخلق يوصف على ذكر الوقت ؛ فيكون الوقت للخلق لا له ، نحو أن يقال : إن الله تعالى لم يزل عالما بجلوسك هاهنا ، أو في هذا الوقت ؛ أي : لم يزل عالما أنه يجلس الآن ، أو يجيء الآن ، أو في هذا الوقت ، وإذا وصفته بالماضي ، قلت : لم يزل عالما بما كان ، وبالمستقبل : لم يزل عالما بما يكون أنه يكون في وقت كذا ، وللحال : لم يزل عالما بكونه كائنا للحال ، ونحو ذلك ، نفيا لوهم الخلق : أن المخلوق كيف يكون في الأزل؟! فعلى ذلك قوله ـ عزوجل ـ : (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) ذكر اليوم والوقت ؛ لئلا يتوهم بكون الخلق قديما ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ ...) الآية ، قرئ : (سَنَفْرُغُ) بالنون والياء ، [و] برفع الراء في الحالين.
قال أبو عبيد : بالياء يقرؤها كقوله تعالى : (يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ذكر على المغايبة ، فكذلك هذا الذي قرئ عليه.
قال الزجاج : قوله تعالى : (سَنَفْرُغُ لَكُمْ) ليس هو الفراغ عن الشغل ، لكن كما يقول الرجل لآخر : سأفرغ لك كذا ، أي : سأجعل لك ، أو كلام نحوه.
ومنهم من يقول : هذا على الوعيد في كلام العرب ، يقول الرجل : سأفرغ لك ، وإني لفارغ ، على الوعيد.
وقال أبو بكر الكيساني : إن الفراغ ليس يستعمل عند الفراغ عن الشغل خاصة ، لكن يستعمل له ولغيره من نحو : إنجاز ما وعد ، وأوعد ؛ كأنه قال : سننجز لكم ما أوعدتكم أيها الثقلان.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
