قال أبو عوسجة : وقيل : الأشر ، والأشر هو البطر ـ كما يقال : حذر وحذر ـ وهو المرح المتكبر.
وقوله ـ عزوجل ـ : (سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ) قرئ بالياء والتاء ؛ فمن قرأ بالياء احتج بقوله (فِتْنَةً لَهُمْ) ، ولم يقل «لكم» ، ومن قرأ بالتاء جعل الخطاب من رسول الله صلىاللهعليهوسلم للكفرة ، أي : ستعلمون غدا عند نزول العذاب بكم من الكذاب أنا أو أنتم؟ وهذا وعيد منه لهم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ) ؛ لنفتنهم بها ، ونمتحنهم ، لم نعطهم مجانا جزافا ؛ كقوله ـ عزوجل ـ : (وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ) [الأعراف : ١٦٨] ، وقوله ـ تعالى ـ : (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) [الأنبياء : ٣٥].
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ) أي : فارتقبهم بما يكون منهم من التكذيب للناقة والعقر لها.
ويحتمل أن يكون قوله ـ عزوجل ـ : (فَارْتَقِبْهُمْ) هو خطاب لرسوله عليه الصلاة والسلام في حق أهل مكة ، كقوله (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ) [الدخان : ١٠].
وقوله : (وَاصْطَبِرْ) أي : اصطبر على أذاهم ، ولا تكافئهم.
أو اصبر على تبليغ الرسالة.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ) ، وقال في آية أخرى : (لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) [الشعراء : ١٥٥] وفيه من الفوائد والدلائل :
أحدها : أن تلك الناقة كانت عظيمة على خلاف سائر النوق ؛ حتى احتاجت هي إلى الماء مثل الذي احتاج إليه سائر النوق وأهلها ؛ حتى قسم الماء بينها وبين سائر النوق.
وفيه : أنه لا بأس بقسمة الشرب ؛ حيث ذكر في الآية قسمة الماء ، وذكر في آية أخرى : (شِرْبُ يَوْمٍ) [الشعراء : ١٥٥] وهو قسمة بالأيام.
وقوله ـ عزوجل ـ : (كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ) أي : كل شرب بحضرة من له شرب ذلك ، لا يحضره غيره.
وفيه : أن تلك الناقة وإن كانت آية ومعجزة له ، فكانت تعتلف وتشرب كسائر النوق التي ليست هي بآيات ، وإن كانت تخالف سائر النوق في عظمها ، وقدر علفها وشربها.
ثم جعل الماء بينها وبين أولئك القوم بالقسمة ، ولم يجعل العلف بينها وبينهم بالقسمة ؛ لاشتراكهم جميعا في الماء ـ أعني : البهائم والبشر ـ وحاجة كل منهم إلى الماء ، فلذا جعل النبات مشتركا بينها وبين سائر البهائم ؛ لأن في ذلك كثرة ، فلا حاجة إلى
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
