فِيهِ يَعْرُجُونَ. لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا ...) الآية [الحجر : ١٤ ، ١٥].
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) ، اختلف فيه :
منهم من قال : (سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) أي : ماض ، لم يزل الرسل ـ عليهمالسلام ـ كانوا يأتون بمثله من السحر.
ومنهم من قال : (مُسْتَمِرٌّ) أي : قوي ؛ مأخوذ من المرّة ، وهي القوة ، وأصل المرة : الفتل.
ومنهم من قال (١) : (مُسْتَمِرٌّ) أي : ذاهب ؛ يذهب ويتلاشى ولا يبقى.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ) يحتمل كذبوا الرسول صلىاللهعليهوسلم وما أتى به من الآية على الرسالة.
ويحتمل : وكذبوا بالتوحيد (وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ) يخبر أنهم إنما كذبوا ما ذكر باتباع أهوائهم ، لا بحجة وبرهان.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ. حِكْمَةٌ بالِغَةٌ) يحتمل قوله : (وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ) وجاءتهم ـ أيضا ـ حكمة بالغة ، وهي القرآن.
ويحتمل أن يكون معناه : (وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ) وفي تلك الأنباء حكمة بالغة.
ثم الأنباء التي فيها مزدجر حكمة بالغة ، وهي ما ذكر في هذه السورة من أنباء عاد ، وثمود ، وقوم لوط ، وقوم نوح ، وموسى ، فقد جاءهم أنباء هؤلاء ، وعرفوا ما نزل بهم من العذاب والإهلاك ، وبأي شيء نزل بهم ، وهو تكذيب الرسل ـ عليهمالسلام ـ ليرتدعوا عن مثل صنيعهم ، فلا يلحقهم مثل ما يلحق أولئك ، وفي ذلك حكمة بالغة ، والبالغة هي النهاية في الأمر ؛ يقال : فلان بالغ في العلم : إذ انتهى في ذلك نهايته.
وقال القتبي : مزدجر : أمر متعظ.
وقال أبو عوسجة : مزدجر : أي : زاجر.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَما تُغْنِ النُّذُرُ).
يقول ـ والله أعلم ـ : قد جاءهم ما ذكر من الأنباء التي فيها مزدجر وإنذار ، فلم يزجرهم ذلك ، ولم ينفعهم ، فأنّى تغني النذر لهم؟ ومن أين تنفعهم النذر؟ أي : لا
__________________
(١) قاله مجاهد ، أخرجه الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عنه (٣٢٧٢٠) كما في الدر المنثور (٦ / ١٧٧) وهو قول قتادة أيضا.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
