على أنه قد يطلق ظاهر الكتاب ، وإنما يكلف حفظ ما لم ينطق به الكتاب ، والعمل بحقيقة اللفظ واجب.
وقال بعضهم : يجوز أن يستره الله ـ تعالى ـ عن الآفاق بغيم ، أو يشغلهم عن رؤيته ببعض الأمور ؛ لضرب تدبير ولطف منه ؛ لئلا يدعيه بعض الملتبسين في الآفاق لنفسه ، وادعى الرسالة كاذبا ؛ بناء على دعواه : أنه فعل ذلك ؛ فيحتمل أنه أخفى عن أهل الآفاق إلا في حق من تظهر المعجزة عليه من الحاضرين ، والكفرة يكتمونه ، والصحابة الذين رأوا قد نقلوه ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) كأنه يقول : اقتربت الساعة التي تجزون ، أو الساعة التي تنشرون فيها ، أو الساعة التي تحاسبون فيها.
فإن قيل : أليس روي عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «[بعثت] أنا والساعة كهاتين» (١) ، وأشار إلى السبابة والوسطى ، وقد قبض رسول الله صلىاللهعليهوسلم ولم تقم الساعة بعد.
قيل : يحتمل أن مراده ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه ختم النبوة والرسالة ، وتبقى أحكامه وشريعته إلى وقت قيام الساعة ، وبقاء شريعته كبقائه ، فصار كأنه قال : شريعتي والساعة كهاتين.
ويحتمل أنه لما كان به ختم النبوة والشريعة ، صار بعثه ومجيئه ـ عليهالسلام ـ علامة للساعة وآية لها ، وهو كقوله ـ تعالى ـ (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها) [الزخرف : ٦١] على تأويل من جعل بعث الرسول ـ عليهالسلام ـ علما وآية للساعة ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا) ذكر تعنتهم وعنادهم : أنهم وإن يروا آية سألوها ، يعرضوا ؛ فلم يرهم تلك.
أو من سنته : أن كل آية جاءت على أثر السؤال ، فلم يقبلوها أهلكوا ، فإذا كان من سنته هذا ، وقد وعد تأخير عذاب هذه الأمة إلى الساعة ، وعفا عنهم التعجيل ـ لم يرهم تلك الآيات المقترحة ، والله أعلم.
ويحتمل : وإن يروا آية حسية يعرضوا ؛ لأن آيات رسول الله صلىاللهعليهوسلم عامتها وأكثرها كانت عقلية وسمعية ، فيخبر عن سفههم وتعنتهم أنهم وإن يروا آية حسية يعرضوا عنها ، وهو كقوله ـ عزوجل ـ : (وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا) [الأنعام : ١١١] ، وكقوله ـ تعالى ـ : (وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا
__________________
(١) تقدم.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
