(لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ) ، ويقولون : إن لفظ التجلي والكشف إنما يستعملان فيما هو كائن ثابت يظهر عند ارتفاع التواتر ، وما يخفيها إلا في الإنشاء ابتداء.
ولكن عندنا : أن حرف الكشف والتجلي يستعمل في ابتداء الإحداث والإنشاء ، وفي إظهار ما كان كامنا خفيّا ، فإذا كان كذلك ، بطل استدلالهم بذلك ، وهو كقوله ـ تعالى ـ : (عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) [الأنعام : ٧٣] ، هو عالم بما كان خفيّا بحق الخلق وما هو شاهد ظاهر ، وعالم بما يكون وبما هو كائن للحال ، والله الموفق.
وقوله ـ عزوجل ـ : (أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ. وَتَضْحَكُونَ) كانوا تعجّبوا من أمرين :
أحدهما : من بعث الرسل ؛ كقوله ـ تعالى ـ : (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ) [ق : ٢].
ومن البعث بعد ما يفنون ويتلفون ؛ كقوله ـ تعالى ـ (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً ...) الآية [الرعد : ٥].
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَتَضْحَكُونَ) الضحك ـ هاهنا ـ كناية عن الاستهزاء ، ليس على حقيقة الضحك.
أو يكون الضحك كناية عن السرور ؛ أي : تسرون على ما أنتم عليه.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلا تَبْكُونَ) أيضا ليس على حقيقة البكاء ، ولكن كناية عن الحزن ، أي : ولا تحزنون على ما فرط منكم من الأعمال وسوء الصنيع والمعاملة.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَأَنْتُمْ سامِدُونَ) ، [أي] : لاهون ، معرضون.
وعن الحسن (١) وسعيد بن جبير : سامدون : غافلون.
وقيل : سامدون : حزنون على رسالة محمد صلىاللهعليهوسلم ، وغائظون على ما أنزل عليه.
وعن عكرمة ، عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ في قوله ـ تعالى ـ (وَأَنْتُمْ سامِدُونَ) قال : هو الغناء بلغة اليمن ؛ يقول اليماني : اسمد لنا : أي : غن لنا ؛ قال : كانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ولعبوا (٢).
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا) الآية ، أي : اخضعوا لله ، واستسلموا له ؛ إذ الأمر بالسجود عند التلاوة في غير سجود الصلاة ، أمر بالخشوع له والاستسلام ، والأمر بالسجود ـ هاهنا ـ للتلاوة ؛ للأحاديث عن النبي صلىاللهعليهوسلم وعن الصحابة والتابعين ، رضوان
__________________
(١) أخرجه ابن جرير عنه (٣٢٦٦٩).
(٢) أخرجه عبد الرزاق والفريابي وأبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والبزار وابن جرير (٣٢٦٦٣) ، (٣٢٦٦٦) ، (٣٢٦٦٧) وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عنه ، كما في الدر المنثور (٦ / ١٧٣).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
