[البقرة : ١٣٦] ، وقوله : (وَأَسْلِمُوا) [الزمر : ٥٤] ، ونحو ذلك ، ولم نؤمر بمثله ابتداء في الصلاح ونحوه بأن نقول : نحن صلحاء أتقياء ؛ فجاز ألا يمنع في الإيمان ، ويمنع في غيره من الطاعات.
والثاني : أن ليس في نفس الإيمان تزكية ؛ لأن كل أهل الأديان مؤمنون بشيء ، كافرون بشيء ، بقوله : (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ) [البقرة : ٢٥٦] ، وقول أولئك : (نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ) [النساء : ١٥٠] ، وقوله : (يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) [النساء : ٥١] ، وفي نفس التقى والصلاح تزكية.
وقيل : (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ) أي : لا تزكوا أهل دينكم ومذهبكم ، وذلك متعارف في الناس : أنهم يزكون أهل مذهبهم وإن كانوا لا يعرفون صلاحهم وتقواهم ، ويذمون أهل خلافهم في مذهبهم وإن لم يعرفوا منهم الشر وما به تجب المذمة ، وذلك محتمل يحتمل ما ذكرنا أنه نهى كلّا في نفسه أن يزكي ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى) أي : اتقى محارم الله ومناهيه.
ويحتمل : أي : اتقى الكفر بالله والشرك به.
قوله تعالى : (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١) وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (٥٠) وَثَمُودَ فَما أَبْقى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشَّاها ما غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥) هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى)(٥٦)
وقوله ـ عزوجل ـ : (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى. وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى) هذا يخرج على وجهين :
أحدهما : أفرأيت الذي تولى كبراء الكفرة وعظماءهم ، وأعطى قليلا من المال لضعفة أهل الإيمان ؛ ليرجعوا عن الإيمان بمحمد والتصديق له ، ويكذبوا عليه.
وقوله : (وَأَكْدى) أي : قطع عنهم في وقت أيضا.
وكذا قال القتبي : (وَأَكْدى) أي : قطع ، وهو من كدية الركية ، وهي الصلابة فيها إذا بلغها الحافر يئس من حفرها ؛ فقطع الحفر.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
